ما العمل مع آلة جهنمية؟

باسل شحادة خلال رحلته على الدراجة النارية من سورية الى الهند العام الفائت

باسل شحادة خلال رحلته على الدراجة النارية من سورية الى الهند العام الفائت

التضحيات الشجاعة والمليئة بالحزن لا تمر هكذا! ولن تكون مجانية!

الطريق صعبة لأن ثورة سورية تواجه ماكينة معدّة للقتل.

خبر لاستشهاد باسل شحادة أمس الإثنين يصف النظام بآلة القتل.

قبله بأيام قتل ربيع الغزي، الناشط والمصور، برصاصة في رقبته، ووجد مقتولا في سيارة مركونة في شارع بغداد في دمشق. مجهول في الثورة نعرفه يوم قتله، فنبدأ بسماع قصص حياته.. بعدها بيوم جرى الاعتداء على مشيعي جثمان ربيع في الجامع، وضرب الروائي خالد خليفة، على حدود المقبرة، مع معرفتهم بأنه روائي، وهو الذي كتب رواية “مديح الخيانة” التي يدور سياقها عن حلب في الثمانينيات وسط الاحتجاج السابق الذي كان أضيق أفقا وانتشارا من هذه الثورة، وهي رواية مليئة بالألم لفتاة تفقد الحبّ. وهي تعدّ رواية تسعى إلى المصالحة مع الذاكرة، ومصالحة المجتمع لبعضه البعض، مع تعرية آلة القتلة الكبار. وصف خليفة كيف تعمل الآلة في سحق المحبوسين في السجن الصحراوي فيطلق النار على السجناء ليقتلوا المئات ببرودة. اعتدوا يوم تشييع ربيع على خليفة الذي يسعى إلى المصالحة. واعتدوا على الأستاذ حسّان عباس الذي ينعي اليوم باسل شحادة. بعدها بيوم أطلقوا الرصاص لتفريق متظاهرين سلمييين في دمشق.

لكن الردّ جاء بإضراب أسواق رئيسية في دمشق.

لنتأمل هذا الخبر الحديث أيضا: “… مجزرة جديدة في مدينة حماة راح ضحيتها 33 مواطناً بينهم 7 أطفال و5 نساء وما لا يقل عن 90 جريحاً. وأضاف البيان الذي وزعته الشبكة [السورية لحقوق الإنسان]، أنه بعد مجزرة الحولة اتجهت فرق من قوات من الجيش السوري شمالاً واقتحمت المدينة مدعومة بعدد من المدرعات والقناصة المعتلين المباني العالية من قبل و أيضاً  المتواجدين بشكل دائم فوق القلعة الأثرية”. فبعد مجزرة الحولة، وكل ما شهده العالم من أصوات ضدها، تتحرك الآلة لارتكاب مجزرة جديدة. أليست هذه آلة مبرمجة؟ أمس قتل العشرات “مثل كل يوم”.

ماذا كان يفعل باسل، هذا الشاب السلفي الجهادي القاعدي الارهابي في حمص وهو من حي دمشقي؟! او بعبارة اخرى “ما الفرق بين الفروق؟ ما العلاقة بين العلاقات؟ هل المشهد سوريالي إلى هذا الحد، أم أننا نريح عيوننا من وهج الفضيحة؟”.

كم فضيحة نحتاج، كم مجزرة، كم ألف إعدام ميداني، كم عشرات الاغتصابات، كم عشرات الأحياء المدمرة، كم عشرات آلاف المخطوفين المفقودين، …، كم ذرة احساس يلزمنا لنتحرك جماعيا بشكل مؤثر؟

هل بتنا مرآة لآلة القتل، باردين مثلها؟

باسل شحادة مخرج أفلام، عاد من دراسته في الولايات المتحدة لينضم إلى الثورة في سورية، ودرّب مصورين في حمص، لينقلوا الثورة وسط القتل إلى عيوننا. والآن نراه هو مقتولا.. الآن نشاهد أفلامه، ونرى ابتسامته ونقترب من وجهه. بعضنا رآه في بيروت، في اعتصام، في مقهى، وشعرروا برقته مباشرة.

الأمل يكبر في سورية مع كل خطوة شجاعة يقوم بها بصمت وتواضع الثوّار السوريون وسط التمسك بحياة جامحة تستحق الحياة. يواجهون آلة مبرمجة لا شعور عندها، ويواجهون لغة ميكانيكية نسمعها يوميا وتعيد اجترار نفسها. الببغاء تظل كائنا حيا، مثل الشبيحة والمنحبكجية بأشكالهم المختلفة من قاتل على الأرض إلى رئيس تحرير صحيفة، لكن رؤوس هذا النظام هم آلة ناطقة لا أكثر، آلة تجيد اطلاق ابتسامة قاتل باردة أمام الكاميرا مثلما تجيد إطلاق الرصاص. ايميلاتهم تشهد على ميكانيكيتهم هذه. صورهم في التلفزيون تشهد على ذلك. آلة تتحرك مثل الدمية، مجازرهم اليومية تشهد على ذلك.

لكنها آلة تجيد النطق بكلام يدغدغ مشاعر السذج.

يعرف هؤلاء الثوار انهم او حياتهم يمكن ان تخطفها برودة القاتل المحترف الآلي الذي يعطي الأوامر ولا يبالي بخطف براءة الأطفال أو جسد معتصم أو الحياة من داخل عين مصوّر بلمح البصر. بإنسانيتهم يقفون أمام جبروت آلة القتل الباردة المبرمجة. هذه الآلة ليست مضطرة لأن تواجه الضحية وجها لوجه، إنها تعطي الأوامر من الأعلى البعيد، والشبيح ينفذ ويضطر لأن يرى ضحيته تسقط أمامه وهو ينفذ الإعدام الميداني فتتقاطع النظرات التي ستلاحقه.

نبض الأمل مستمر، الحرية  تصرخ بحرقة، القلوب تفور، البدائل تبنى بعناد كل يوم، الإحساس الجماعي يكبر، من أجل حياة حرّة ولبلسمة الجروح الكثيرة التي سببتها هذه الآلة.

الشبيح يمكن شتمه بالقاتل، بالحقير والنذل والخسيس لأنه يمكننا مع جهد أن نستشف بقايا إنسان محبوسة في مكان ما داخله، يمكننا حتى أن نفكر بالعفو ونحن نحاسبه. أما هذه الآلة الجهنمية الممثلة بعقل النظام الميكانيكي فكيف يمكن وصفها؟ إنها لاإنسانية، ولا تليق بها الأوصاف الإنسانية مهما بلغت درجة وضاعتها.

كيف نوقف الآلة؟

إنها تعمل منذ سنة وشهرين بلا توقف. هل من ميزات الآلة تعطلها أو تفككها فجأة بعد العمل بلا انقطاع لمدة طويلة؟


هذا المنشور نشر في Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

4 ردود على ما العمل مع آلة جهنمية؟

  1. يقول hudu2nisbi:

    THIS IS BEYOND BELIEF
    http://al-akhbar.com/node/94199
    VIDEO

  2. يقول punishment:

    باسل شحادة كاميرا حتى الموت
    لم تُغلَق عدسة الكاميرا بعد، المشهد مُستمر. ينام في التابوت، ورفاقه يحملون صوراً لابتسامته، ويُغنون: «جنّة، جنّة، جنّة… تسلم يا وطننا». يرقصون حول الشهيد، وهو يتنفس في كل الصور.

    قبل أيام، كان المخرج السينمائي الشاب باسل شحادة يحمل كاميرته في حمص، يسعى إلى توثيق مجزرة الحولة التي قُتل فيها أكثر من مئة شخص نصفهم أطفال. يلتقط التفاصيل، ينتزع من الموت مشاهد للحقيقة، وثيقة لمحاسبة المجرمين، ويعلّم الشبان كيف يتعاملون مع العدسة كما لو أنها عيونهم، لأن العالم يرى من خلالها أحلامهم، يرى الحريّة التي يصبون إليها. يعلّمهم أن يكونوا «مراسلين بصريين» للثورة في ظل نظام يُقصي وسائل الإعلام عن أرض يحرقها بما عليها من بشر وحجر، كأنها يملكها ويملكهم. لكن باسل الآن في تابوت، وكاميرته بعيدة ومقتولة مثله، بفعل قذيفة أطلقها «حماة الديار»، سرقت حياته وجزءاً من الحقيقة القاسية التي أراد حمايتها وبثّها للعالم من حمص.

    يقف «مغني الثورة» عبدالباسط الساروت قرب التابوت، حاملاً لافتة كتب عليها: «يا يسوع، يا يسوع… عن ثورتنا ما في رجوع». تضامن كهذا من الشاب الدمشقي المسيحي الشهيد، ليقول إن مسلمي البلاد ومسيحييها يد واحدة و «الشعب السوري واحد»، عدوّه واضح، وشبيحته هم الذين منعوا الناس من الوصول إلى حيث كان سيقام قدّاس لراحة نفسه في منطقة القصاع في العاصمة. بل نقل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أن البعض ضُرب والبعض الآخر أُرهِب، وأحيط بيت أهل باسل بالشبيحة ما استدعى «رسائل الإنذار» على «فايسبوك»، لتحذير محبّي الشهيد وأصدقاءه من زيارة أهله لتعزيتهم لأن العواقب لن تكون مضمونة.

    وما زال المشهد مستمراً، رقص الجميع بتابوته، وسيستمرون في رقص الثورة، بدليل التظاهرات الجمعة الماضي تحت شعار «أطفال الحولة مشاعل النصر». على رغم الموت والدم يستمرون، مسلّحين بكاميرته الغالية، وهو يتنفس في الصور، باسلاً وباسماً.

    أعادتني لافتة الساروت إلى عشية الثورة، ليلة 28 كانون الثاني (يناير) 2011، حين غنّى شهيد السينما السوريّة: «هبّي يا رياح التغيير»، مع العشرات من أصدقائه أمام السفارة المصرية في دمشق. لما بدأ أول الصوت المصري في الساحات، رحنا نجرّب حناجرنا، ونخاف أن نموت من الحسرة. قلنا حينها، باسل وأنا وصديقات ثلاث، أن مجرد اشعال الشموع أنفع من الصمت، وقد تتحول الشمعة إلى صوت. انطلق نقاش طويل ومغلق على «فايسبوك»، واتفقنا على دعوة الأصدقاء لإشعال الشموع أمام السفارة، للتضامن مع شهداء الساحات المصريّة. مسّنا جنون جميل حينها، وأرسل باسل الدعوة من هاتفه الخليوي إلى الأصدقاء، على رغم الحذر من استفزاز نظام يرتجف خوفاً من رياح التغيير. وصلتُ ليلتها مع لافتات صغيرة كُتب عليها «نعم للحريّة»، للتضامن مع شهداء الساحات الحالمة بوطن حر. كان الحضور الأمني كثيفاً، وباسل حضر قبلنا، مع ابتسامته التي يعرفه الكل بها، وانتظرنا مع مجموعة من الأصدقاء، وطلب عناصر الأمن تفاصيل بطاقته الشخصية، ليراجعهم صباح اليوم التالي.

    شموع، ولافتات، وأغانٍ تحلم بالتغيير يصلنا… من هنا بدأت الثورة، لم يغادر السوريون الشوارع بعدها، وربما خجلت الريح من حناجرنا، وهبّت على سورية.

    وصلت الريح إلى كل الشوارع السوريّة، وسرقت أصدقاء كثراً، آخرهم باسل، حتى تمنّيت لو أنني متّ قبلهم في ساحة ما، في زنزانة ما، خير من العيش بذاكرة تحولت مقبرة جماعيّة. لكنني أستعيد ابتسامة باسل، وصوت الموسيقي ربيع الغزّي الذي قتلوه قبل أيام أيضاً، فأمسك بأحلامهم وأفكّر بالعودة إلى سورية، كما فعل شهيد سينما الثورة الذي ترك منحة لدراسة السينما في الولايات المتحدة، وعاد لأن الثوّرة تُعلّم أكثر، كما كان يقول.

    حديث الوصايا

    كان قراره حكيماً، شعرنا بذلك على رغم خوفنا عليه. فلتوثيق الملحمة متعة استثنائية: أن يصوّر السوري حلمه بكاميرا ويواجه رصاصة قناص من دون خوف، لأن الموت في الشوارع درب إلى طرق مفتوحة، وأن الكلمات الأولى للثورة كانت «الموت ولا المذلة».

    تهيمن الوصايا على أحاديث الكثير من السوريين هذه الأيام: «إذا حصل لي شيء…». فكل تحرّك وكل فعل قد يؤدي إلى الموت أو الغياب في شكله السوري الغريب الذي لا يشبه الاعتقال ولا الخطف، لا يشبه إلا الغياب الغامض. لكن الموت أجمل، قال لي مُسنّ حوراني في سجن القابون العسكري.

    قال باسل لصديقته في آخر زيارة له إلى دمشق، إن موته قريب وأنه يفضل العودة إلى حمص، إذ أحسّ بالغربة في دمشق بعد تجربة حياة الحريّة في مناطق الثورة المحررة. صدق حدسه بالموت، ولا بد من أن يتحقق حلمه بسورية الملوّنة والديموقراطية. أتخيل الفيلم الذي صوّره في حمص، ولم يتسنّ له إكماله، كان يلاحق أبطالاً لا نعرفهم، كما أسرّ لحبيبته. يوثّق يوميات حمص القاسية، لتخرج مبتسمة في فيلمه.

    أتذكّر فيلم «بونجور» الذي أخرجه قبل الثورة بسنة، وكنتُ جزءاً منه. عمل معنا في مخيمات السوريين المهجرين من الشمال إلى الجنوب بفعل الجوع والجفاف والإهمال. أشاهده للمرة المئة وأستغرب: كيف استطاع تحويل القهر إلى فرح؟

    أخاف من ذاكرتي، وأعلّق على جدار غرفتي صورته بلا شريط أسود، في محاولة شجاعة، لتقليد صديقي الشهيد، لأترك كل الأشجار والشوارع هنا، وأحمل كاميرتي إلى شارع سوري، تتحقق فيه الأحلام كل يوم.

    المخرج في سطور

    التعريف من صفحة جمعية «دوكس بوكس» السورية المتخصصة في السينما الوثائقية على «فايسبوك».

  3. يقول العودة:

    مطالب “العودة”:
    2000 سوري لجأوا إلى الأردن يطالبون بالعودة إلى بلادهم
    اللاجئون الى أنطاكيا: نريد أن نعود لنحزن ونبني ما تهدم

  4. يقول ramsey:

    في أمل:

    اشتمت السلطات السورية «رائــــحة كريهـــة» خـــلف وصـــف دول أوروبيـــة ما يجـــري بأنه «حرب أهلية»! لـــعل في الأمر ما يبـــعث على الذهول، فهل حقاً أُصيب النــظام في ســـورية بــهذا الوصــف الذي لا يرغب في أن تُوصف به الوقــائع الدامية هناك؟
    الغريب أن النظام لا يريد حقاً أن تُوصف الوقائع الدامية بأنها «حرب أهلية» على رغم مواظبته على الدفع باتجاه اشتعال هذه الحرب! إنها حرب أهلية في الحدود التي يخدم فيها هذا التعريف الوظيفة التي أناطها بها النظام، لكنها ليست حرباً أهلية إذا أراد المجتمع الدولي معاملة سورية الدولة والأجهزة على أساس أنها طرف في حرب أهلية. وكم يبدو تطلب النظام في دمشق ضيقاً حيال هذه المعادلة: إنها حرب أهلية تهدد وجود الأقليات وتأتي بالإسلاميين وتثير قلق إسرائيل على أمنها، لكنها ليست حرباً أهلية مهددة لنفوذ النظام والعائلة والحزب. إذاً، تحفّظ دمشق عن هذا الوصف هو تحفّظ عما قصده الغرب من ورائها، أي كونها مهددة لنفوذه، فيما كانت مهمتها طوال العقود الفائتة تكريس هذا النفوذ.
    الوظيفة المنــــوطة بـ «الحرب الأهلية» على نحو ما يشتهيها النظام، هي قيمة خرساء وصامتة، وهي امتداد لخطاب الخوف الخفيض الذي أبدعه «البـــعث» على مدى عــــقود حكمه الخمسة. إنها ذلك الشيء الذي يقيم عليه السوريون من دون أن يتداولوه. يمــــكن رصده في عــــيونهم وفي خوفهم وفي صمتهم، لكنه ليس مادة لتفكيرهم وللبحـــــث عنه في أوجه حياتــهم. وعـــلى هذا النحــــو تم إخضاعهم: ذاك أنهم ومنعاً لاندلاع الحرب الأهلـــية، راكــموا في نفــــوسهــم طبقات هائلة من الحروب الأهلية، أدخلوها في وجدانهم بصفتــها شيطــانهم النـــائم الذي يجــب عـدم إيقاظه.
    لنتخيل مثلاً موقع مجزرة حماة في 1982، في الوجدان الجمعي السوري. إنها الواقعة المسكوت عنها في الروايات السورية الكبرى والصغرى. ثلاثون عاماً من الصمت، ومن الحرب الأهلية المشتعلة في النفوس لا في ميـــادين الـــحروب. ثلاثون عامــاً وأم حموية تبكي زوجها القتيل بعيداً من انظار أبنائها. العنف الذي ينطوي عليه البكاء الصامت قد يفوق العنف الذي قضى به الزوج، وهو تماماً ما أراده النــــظام عندما دفع الناس إلى الصمت، إذ إنه يعرف أن الزوجة تبكي زوجها في السر، وأن أولادها يعيشون حداداً ويسمعون صوت بكاء أقرب إلى الاختناق. وهو لم يعاقبهم على حزنهم، لكنه سيعاقبهم إذا قرروا إنهاء حدادهم والمباشرة بالتفكير في ما يعقبه. هنا تماماً تكمن قوة النظام: إنها في الخوف المتواصل منه.
    النظام عندما هاله وصف المجتمع الدولي ما يجري في سورية بأنه «حرب أهلية»، شعر بأن الخوف خرج من النفوس وصار في متناول الناس. صار الخوف موتاً، لكنه فقد قدرته الإخضاعية. هذا ما يجري تماماً اليوم في المدن السورية. في السابق كانت الحياة ملازمة للخوف، واليوم تعايشت الحرية مع احتمال الموت. في الحالة الأولى لا أمل بأن تخرج سورية من أفق الخوف، وفي الحالة الثانية الأمل كبير بأن بعد الموت حياة. وفي هذا نفي لأبدية الخوف عبر الموت الموقت والعابر. أبدية الخوف المعبر عنها في الجملة الأثيرة: «قائدنا إلى الأبد» التي لازمت اسم «الرئيس الأب» حافظ الأسد.
    لا تفسير سياسياً لرد فعل النظام على وصف المجتمع الدولي ما يجري في سورية بأنه «حرب أهلية»، إذ من المفترض أن يكون سعيداً بالنتائج التي حققها، وبهذا المعنى فهو أصدر رد فعل غير واع مركزه شعوره بأن الحرب الأهلية التي أسكنها في وجدان السوريين طوال عقود حكمه، هي الآن أمام ناظريهم، يدققون في مدى حقيقتها ويقررون ما إذا كانوا سيخوضونها أم لا. ثم إن ذاك الشيطان النائم في النفوس صار الآن خارجهم يعاينونه ويتحسسونه، ولم يعد قدراً غامضاً لا فكاك منه ولا مناص.
    «الحرب الأهلية» التي أثارت حفيظة الخارجية السورية، هي اقتتال تفاعلي، وهي مفاوضة ومقايضة ومصالح جماعات ومدن وبوادٍ، فيما «الحرب الأهلية» التي أنشأها النظام منذ وصوله إلى السلطة هي قتل صامت وغير تبادلي، يمارسه النظام ويمارسه الحزب، السوريون فيه طرف متلقٍ ومخيّر بين الخوف أو الموت. من لم يخف من السوريين طوال العقود الخمسة من حكم «البعث» لم يكن أمامه من خيار إلا الموت. الخوف أو الموت.
    في الحالين الحرب بشعة، والسوريون مخيّرون اليوم بين قتامتين، والنظام الذي هالته «الحرب الأهلية»، ها هو يدفع باتجاهها على نحو لا تخطئه عين. إنها خياره الوحيد لتفادي السقوط المباشر. وهو يرى أن سورية إذا سقطت كلها فإن في ذلك أملاً بأن يكون هو جزءاً من الركام لا كل الركام. لكن في ذلك أيضاً مقداراً من الهذيان، فالحرب ستعقبها مرحلة هي ليست بالضرورة سلماً لكنها لن تكون بعثاً، والمصالح الإقليمية المنعقدة حول سورية قد تساعد في صمود النظام، لكنها أيضاً ستساعد حكماً في تماسك سورية بعد انهياره.
    لعل في قول الــــــغـرب إنها «حرب أهـــلية» استــجابة لما يـــطرب له النظام، لكن «الحرب الأهلية» المُلوّح بها هي استئناف لمـــا بدأه منذ أربعة عقود، كان فيها الطرف الوحيد في معادلة العـــنف. انتقل العنف اليوم ليصير تبادلياً، وعلى رغم ذلك، لدى سورية الآن فرصة لتفادي «الحرب الأهلية» بينما لم تكن طوال مرحلة العقود الخمسة تملك هذه الفرصة. فما يوصف بأنه «حرب أهلية» اليوم لا يبدو مكتملاً، فالحرب كي تُخاض تحتاج أطرافاً، وما يجري اليوم في سورية لا يملك هذا الشرط، ثم إن صورة الانقسام لا تنبئ بتكافؤ. النظام حتى الآن متفوق عسكرياً والمعارضة متفوقة شعبياً، وهذا ليس خط انقسام أهلي.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s