انتحار حسن رابح: بين الافتخار والشفقة والتصالح مع المجهول

* تم إرسال هذا النص الى مدوّنة “جدران بيروت” للنشر. فضّل الكاتب عدم الإفصاح عن هويّته

كان حسن رابح راقصاً سورياً جزائرياً انتقل للعيش في بيروت قبل سنوات قليلة بسبب النزاع الدائر في سوريا. في الثاني والعشرين من حزيران قفز حسن من الطابق السابع من مبنى في الحمرا، بيروت، حيث كان يعيش.

أود ان اناقش مزيج الشفقة والافتخار في الحديث الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي بعد حادثة انتحار حسن.

التقيته مرات معدودة خلال مظاهرات احتجاجية في بيروت.  لم اعرفه جيداً، لكن جمعتنا عدة صداقات مشتركة، ويعيش أصدقاؤنا الآن مزيجاً من الصدمة والحزن والغضب.

كل العواطف تلك التي تطفو الى السطح لحظة الحداد، لها ما يبررها في نظري. لكن حين تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي علينا أن نفكر ملياً فيما تحمله من رسائل الى آخرين، والذين قد يكونون هم ايضاً في وضع مشابه لوضع حسن. لذلك شعرت بالحاجة الى طرح بعض النقاط، مستنداً الى خبرتي الشخصية.

نستشف مما كتبه حسن على حسابه على فيسبوك قبل أيام من موته بعض ما حدث في حياته مؤخراً. فقد القي القبض عليه لحيازته بعض الحشيش وأمضى زمنا وراء القضبان (حيازة الحشيش من بين الجرائم المفضلة لدى الشرطة اللبنانية كونها مصدرا للدخل وكونها ايضا تشكل آليه للضغط على الشابات والشبان السوريين الوافدين الى لبنان). كما يفعل الكثيرون قدم حسن رشوة ليخرج من السجن. كما أعلن حسن أنه استهلك المخدرات، واطلق شعارات التضامن مع الثورة في سوريا ضد كل من وقف بوجهها من ايديولوجيات وتحالفات. وتضمن منشوره هذا اعتذاراً موجهاً الى اصدقائه وعائلته.

البعض فسر كلامه على الفيسبوك بأنه مرتبط بإقدامه على الانتحار، فجاء كم كبير من التعليقات حاملاً مشاعر الشفقة تجاهه بالتوازي مع توجيه اللوم الى الدولة اللبنانية الفاسدة والى سياستها في دفعه الى هذا المستوى من اليأس.   

وصل البعض الى تأييده في انتحاره باعتباره وقفة تحد اخيرة. أتفهم هذه المشاعر لكنها في الواقع تعكس حال الذين يعبّرون عنها ومحاولاتهم عقلنة ما حدث أكثر من كونها وصفاً لحال حسن قبل أن ينهي حياته.

ربما اصبحنا في حال من الضياع إزاء الأسباب التي تدفع عضواً في المجتمع الى ذاك القرار القاتل والشخصي الحميم في آن بتدمير الذات، خصوصاً في عصر لم نعد نفاجأ فيه من الانتحار بالطرق الرمزية، كحرق النفس مثلاً، او العمليات الانتحارية.  

غالبا ما تأتي ردود الفعل الفوريّة على شكل محاولات لتهدئة الذات، عبر استخدام تعابير نوهم أنفسنا بأنها تكشف حقيقة ما. تعابير مثل لاجئ، او منبوذ او مدمن مخدرات او ثوري او ارهابي او بطل او شهيد او مكتئب او سجين. لكنها كلها في غالب الاحيان تعبر عن أحكامنا المسبقة وترسخها دون ان تكشف لنا الكثير عن حقيقة من نتحدث عنهم.  

دعوني اوضح شيئاً. لم يكن حسن بطلاً او شجاعاً او ضعيفاً او شريراً لمجرد أنه قرر إنهاء حياته. ولا يمكننا ان نصل الى يقين حول درجة تأثير محيطه وبيئته والبلد الذي استضافه وبلده الأم واصدقائه واقاربه في قراره، ولا حول ما اذا كانت تلك عوامل أساسية في دفعه إليه.   

لست اقول أنها لم تؤثر فيه، لكن الحقيقة هي أننا لا نعلم، ونظراً لطبيعة ما فعل، لن نعلم ابداً. لا أقول هذا من باب التنظير المتجرد، بل من وجهة نظر شخص حاول ان ينهي حياته. لست أحاول ان أطابق بين ما حدث معي وما حدث مع حسن، وعدا عن كوني سورياً متوسط السن يعيش في لبنان، ليس هناك من تشابه في قصصنا.

مع ذلك، آمل فقط ان القي بعض الضوء على العملية الذهنية التي ترافق قرار انسان ان يدمر ذاته. انا فشلت في تنفيذ قراري لسبب تقني، فالوسيلة التي اخترتها لم تكن حادة بما يكفي. لكن الحقيقة هي انني كنت محظوظا بوجود صديق لي ساعدني على التعبير عما كان يدور في داخلي من صراع بما يكفي لكي تضمحل شيئا فشيئا حاجتي الى المحاولة مجددا. وهكذا بدأت ابحث عن المساعدة والشفاء.

اتفهم الشعور بالعزلة والاكتئاب الذي قد يدفع احدنا الى نقطة يتخذ فيها قراراً قاتلاً بالانتحار، لكنه من الخطأ ان يتم الاحتفال بتلك النتيجة واختصارها بتعابير من سبيل “لقد تعامل مع العالم بشروطه هو”، كما فعل البعض. كما أنه من الخطأ الاستسلام الى ميلنا للشفقة على الشخص الذي انهى حياته.

الانتحار هو وسيلة للتعامل مع رغبة في الهروب من المعاناة بكل اشكالها. ليست هناك متطلبات كثيرة بل مجرد رفض لما هو قائم وسعي وراء وهم النهاية. “ان تبلغ القصة الحزينة نهايتها خير من ان تستمر”. هذا هو المنطق الوحشي والخادع الذي يدفع بتلك العقلية الى نهايتها. لكنه منطق مضلل لأن قصصنا ليست مكتوبة ولا هي معروفة، ومواجهة حقيقة المجهول هي ما يستدعي الشجاعة.

لا يعني هذا ان حسن كان جباناً لأنه سعى الى ما نسعى اليه جميعاً، أي انهاء المعاناة. انا لم اشعر بأي من الشجاعة او الجبن حين حاولت انهاء حياتي، بل شعرت أني كنت محاصراً. شعرت انني سأكون بوضع افضل، او ان العالم سيكون افضل دون وجودي فيه. الغريب انني شعرت ايضاً وتكراراً بالأسى والندم الناجم عن معرفتي بالألم الذي كنت على وشك ان أسببه لعائلتي وأصدقائي. الحقيقة هي انني وجدت نفسي في موقع لا مخرج منه، او هكذا بدا لي. سجين؟ ربما توهمت ذلك في ذهني، لكنني لن استخدم هذا الوصف، فهو يقلل من قيمة معاناة سجناء حقيقيين اختبروا الوحشية والقمع وصمدوا. محارب؟ رغم شعوري العميق بالصراع الداخلي، لم ار نفسي محارباً. والحقيقة هي انني لم اتخط شعوري بالذنب والعار إلّا بعد مرور سنوات عدة على محاولة القتل التي قمت بها. صحيح، انا كنت الضحية لتلك العملية، لكن هذا ليس في صلب المسألة. ببساطة، لم تمنحني فكرة الانتحار شعوراً بالقوة، بل على العكس تماماً، كانت اقراراً بالعجز الكامل، وبالافتقار الى اي خيار.   

هل دفع فساد الدولة اللبنانية حسن الى خطوته هذه؟ نحن صراحة لا نملك فكرة حقيقية عمّا يدفع الانسان الى هذه النقطة. في حالات الانتحاريين من حرق النفس او التفجيرات الاتتحارية، ربما تكون الأسباب اكثر وضوحاً، فهناك قضية وهدف ونتيجة مرجوة. أمّا في معظم حالات الانتحار فليس هناك وضوح من هذا النوع. حتى في حالتي انا لم يكن هناك عامل وحيد يمكنني ان اعتبره “السبب”. كان هناك مزيج كبير من الأسباب المتناقضة التي تفوق بكثافتها قدرتي على التعبير عنها.

في هذه الشبكة المتداخلة من الاسباب، كان هناك كثير من الظروف الخارجية، من بينها المجتمع، والشعور بالغربة، والهجرة، والحظ السيء، والاسباب العائلية، والافتقار الى الحميمية. لكن اكثر الاسباب تأثيراً كان عدم قدرتي على احاطة تلك العوامل جميعا بالفهم ومن ثم التعبير عنها. الصعوبة في التعبير قد تكون العائق الأبرز امام العثور على المساعدة. فهي تدفع الناس عنك وتخلق جدارا من العزلة والوحدة وترسخ الاحساس بانك لست جديرا بان تكون لك صداقات حميمة. انا كنت محظوظا بصديق ساعدني في تخطي هذا الجدار. ماذا فعل؟ لا شيء سوى انه سمعني وامتنع عن اطلاق الاحكام علي فيما اخذت وقتي في التعبير بصعوبة وارتباك عما استطعت التعبير عنه. لم يحاول أن يقدم حلاً، بل اكتفى بتقديم الدعم لي ولوجودي.

هذا الدعم البسيط كان كافيا ليحرك في داخلي هذا الضغط المتراكم، فأخدت ابكي واخذ يبكي معي. كنت لا ازال عاجزا عن التعبير عما يدور في داخلي لكن تلك اللحظة من التعبير منحتني دعما كنت في امس الحاجة اليه، وبدون هذا الدعم كانت فرصتي في الاستمرار ضئيلة في احسن الاحوال.  

غالبا، يتضح لي كيف ان مجتمعاتنا العربية تسخف القضايا المتعلقة بالصحة النفسية وتستخف بها وبمن يعاني من المشاكل النفسية. في النهاية لا يعلم احد لماذا يدفع الاسى بعضنا الى حافة الخطر، ولا يمكننا الادعاء اننها نفهم لماذا يستمتع بعضنا بالحياة وملذاتها فيما يكافح البعض الآخر مشاعر الإحباط.

لا معنى الآن في التصارع حول السبب الذي دفع حسن الى انهاء حياته. وما علينا سوى إقرار واحترام حياته ونهايتها المفاجئة في حالة من اليأس. الحقيقة اننا جميعا بحاجة الى كل المساعدة التي يمكننا الحصول عليها، ولا نملك لذلك سوى أنفسنا.  

مع الصحوة التي حصلت لدى البعض إثر وفاة حسن، بدأ عدد من الشابات والشبان من الفنانين السوريين بتنظيم مجموعة للعمل على رفع الوعي حول المشاكل النفسية التي يعاني منها أقرانهم. تقوم المجموعة بالعمل على مبادرات تهدف إلى تبني ثقافة الحياة مواجهةً لثقافة الموت. تأمل المجموعة أن تستطيع دعم الأفراد الذين يواجهون ظروف معيشية صعبة في البلدان المستضيفة. وذلك من خلال رفع الوعي حول الصحة النفسية والضغط على المنظمات المحلية لتبدأ بتقديم المساعدة والعلاج اللازمين. كما تعمل المجموعة حالياً على إنشاء دعم نفسي-اجتماعي للأفراد في حالة نفسية خطرة، بناءً على خطة عمل جماعية. من أجل أي استفسارات أو معلومات إضافية، أو الرغبة في التطوع / المساعدة أو في حال الحاجة في الحصول على المساعدة، يمكنكم إرسال إيميل إلى:  khabberna@gmail.com

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على انتحار حسن رابح: بين الافتخار والشفقة والتصالح مع المجهول

  1. يقول Hanibaael:

    أخيراً، قرأت مقالاً يتناول مسألة الانتحار بعيداً عن التهليل والتمجيد وكان الانتحار هو عمل شجاع. وطبعاً هنا لا اقول بان ما قام به حسن هو عمل سيء.

    خلال عام 2011، انتحر 4 من اصدقائي خلال فترة 6 اشهر، بينهم ناشطان في الشأن العام. انتحارهم هو خسارة طبعاً.

    مواجهة الواقع يتطلب شجاعة أكثر من الانتحار.

  2. يقول ساسين:

    مثل جميع المسائل المتعلقة بالشأن السوري، تم التعامل مع حدث مأساوي يعني حياة فرد محدد بإزدواجية شديدة، إما هذا أو ذاك. الميول الانتحارية قبل اي شيء آخر مسألة نفسية فردية. تلعب الظروف السياسية والمحيطة أدوارا لا شك، لكنها، مهما تعاطفننا، ليست العامل الحاسم فيما خص الانتحار.

    حتما هكذا مقاربات ضرورية في خضم الانفعالات السريعة الحاسمة التي تسمح بها وسائل التواصل الاجتماعي.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s