من الثورة إلى الاحتفاء بحروب الأنظمة الطائفية

بلاحظ أن هناك حالة احتفاء بحروب أنظمة عربية قمعية وطائفية لبعض من يعدّون أنفسهم في خانة الثورات، سواء في اليمن أو في حلفهم ضد “داعش” أو غيرها.

pic-2

رسم للراحل بهجت عثمان من كتاب “بهجاتوس”

كانت قد أصرت الانظمة العربية، وعلى رأسها السعودية مع مشاركة الإمارات وقطر وغيرها، على احتواء الثورات العربية أو تفتيتها في سورية ومصر وغيرها أو قمعها بشكل مباشر كما في البحرين. كما أنها ساهمت بتأجيج البعد الطائفي فيها بالتكامل مع أنظمة عربية أخرى تشبهها كنظام الأسد مع النظام الإيراني المحترف في استغلال أزمات الشعوب العراقية والسورية واللبنانية واليمنية كي يتمدد.

هذه عوامل أساسية، بالطبع إلى جانب مسؤوليات داخلية في كل بلد، سهلت وصولنا إلى تمدد “داعش”، وهو ما جعل مجازر النظام أمرا يوميا في سورية يمكن التعايش معه، وقد ساهم ذلك في تفتيت الثورة المصرية وسط التنافس القطري السعودي، وهو ما أفرغ أصلا الثورة اليمنية من اندفاعتها وجعل شرعية الحكم الجديد فيها ضعيفا وترك رجالات علي عبدالله صالح هنا وهناك، وأشاع مناخا عاما محبطا لدى اليمنيين لا يضفي أي حماسة للدفاع عن منجزات ثورة لم يتحقق منها سوى إزاحة رأس النظام، وتجعل قوة مثل الحوثيين قادرة على استغلال ضعف شرعية الحكم الجديد في اليمن والتقدم بالتحالف مع علي عبدالله صالح وغيره من دون أن تجد في وجهها من يتحمس للمقاومة فيما رجالات علي عبدالله صالح يتعاونون معهم.

تريد أنظمة الخليج العربية وحلفائها في مصر والأردن وغيرها، ويسعى النظام الإيراني والسوري وحلفائهم في لبنان والعراق واليمن، حشدنا في دوامة محاور طائفية من أجل صراعاتهم على تمتين كراسيهم التي حاولت الثورات زحزحتهم عنها ورسم أفق جديد للمنطقة وشعوبها.

من الأمثلة الكاريكاتورية هو تمكن النظام في الأردن من تجاوز الحراك الشعبي الأردني والعودة إلى الدولة الأمنية مجددا، كي يندفع بعدها في حروب جديدة يجد من يحتفي بها ليرمم شرعية قد تأكل جزء أساسي منها. يستفيق الأردنيون فجأة على إعلان حرب ضد “داعش” كي يناموا فجأة على إعلان حرب ضد الحوثيين، بما يسبه عملية تسطيل ممنهجة للناس.

والعجيب أيضا أن كلّا من أبواق الطرفين يستخدم قضية فلسطين ليزايد على الطرف الآخر بإثارة التساؤل: لماذا لا تحارب إسرائيل بدلا من محاربة هذا الطرف؟ غير أن كلا من المعسكرين يستميت في حروب شتى لكنه يتفرج على سياسات التمدد الإسرائيلية والتي تقول بصراحة إنها لن تقبل حتى بدولة فلسطينية مسخ وعلى نحو 22 بالمئة من الأرض الفلسطينية.

والأكثر عجبا هو أن قيادة هذه المحاور تقوم بتقاسم أدوار، ولا تشتبك مباشرة مع بعضها البعض. فتترك دول الخليج سورية للنظام الإيراني وأتباعه، فيما تترك إيران اليمن للنظام السعودي وأتباعه، ويكتفي كل طرف بدعم تيار عن بعد في هذا البلد أو ذاك. فلا تكلّف أنظمة السعودية وإيران أنفسها مشقة الاشتباك المباشر في حرب بين البلدين مثلا، فيما تستخدم أراضي وشعوب المنطقة لصراعاتهم غير المباشرة. لكن للإنصاف فهي تغامر أكثر بما تفعله روسيا والولايات المتحدة.

رسم لبهجت عثمان

رسم لبهجت عثمان

عشنا وشفنا الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الحرب الطائفية المفتوحة بين أنظمة قمعية وتياراتها. وهذه المرة سيجتمع الملوك والزعماء والأمراء العرب في شرم الشيخ، وملؤهم شعور بالقوة، وهم ضغاف، ليتذكروا بأن هناك  ميثاق دفاع عربي مشترك، وسيناقشون تشكيل قوة أنظمة عسكرية عربية جديدة تنفض غبار الثورات عنها، وتنافس المشروع الإقليمي الإيراني، فيما يستمتعون بتطبيل صحافيين وإعلاميين ومثقفين وناشطين كانوا من وقت قريب يتحدثون بالثورة.

لا شك أن نجاح الثورات العربية، وهي أصلا ظاهرة عربية أساسا، كان بحاجة إلى دعم من إقليمها العربي بأقل تقدير، لكن الإقليم غاب بل توطأت أنظمته أو قمعت. لو نجح جزء أساسي من الثورات، مثلا في مصر أو سورية، لكان ذلك كفيلا على الأرجح بدعم بقية الثورات كما بترميم العمل الإقليمي الضروري خصوصا في عالم لا فاعلية فيه للأمم المتحدة أو باحتكارها من قبل الدول الكبرى في مجلس الأمن. لكن مع تعثر الثورات يطرح أمامنا مشروعان إقليميان طائفيين ومكيافيليين بقيادة نظامي السعودية وإيران، وهما فوق ذلك يتصارعان فينا!

وفيما نحن على عتبة جديدة من حروب طائفية قد تصبح مديدة، لا يمكن إلا ان نتأمل بأن نتعلم يوما بأن المنطق الطائفي لا يولد إلا ما يشبهه ويقاتله، وبأن الأمور لا تستقيم بأي شكل من التعسف ضد الحريات والكرامة.

هذا المنشور نشر في America | أميركا, Authority | السلطة, Bahrain | البحرين, Egypt | مصر, Jordan | الأردن, Kuwait ا الكويت, Media | إعلام, Palestine | فلسطين, Saudi Arabia | السعودية, sectarianism ! طائفية, Syria | سورية, قطر Qatar. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s