مادة العالم العربي 101: القيم شبه المستحيلة!

توفر لنا مادة العالم العربي 101 فرصة نادرة في تعلم مطابقة مواقف مع قيم في ظروف شبه مستحيلة. والمواقف التي تقودها التوجهات الأخلاقية والقيم، هي أصل في السياسة. صحيح ان السياسة هي توازن القوى، مصالح، كيفية شق الحركات طريقها، كيفية اتخاذ السياسات، او كيف التقيد بـ”قواعد اللعبة” او تحديها، …، لكن ثمة أصل ايضا وهوالقيم، والتي يرى البعض أنها مهمة للغاية في دفع الخيارات السياسية لمجموعات وللناس عموما باختلاف قيمهم. وثمة من يبالغ في إيلاء أهمية للقيم على حساب الطرق الفعلية التي تسير وسط المصالح وطرق الحشد وغيرها. وبكل الأحوال، فإن القيم لوحدها ليست كل السياسة، بل جزء وربما صغير منها، ولكنها أمر مهم في السياسة.

هذه مادة عن القيم شبه المستحيلة. وأهمية هذه المادة أنها تفاعلية وتتعلمها كل سنة وعند وصول سن اليأس تكون هناك خبرة ومناعة كافيتين!

المادة سهلة، وهي أن تحدد مجموعة من القيم تؤمن بها (مثلا: الحرية، مقاومة الاحتلال، العدالة، الكرامة، الخ)، وتبدأ بتطبيقها على مواقفك التي اتخذتها في دروس مادة العالم العربي 101.

مثلا، سنختار الدرس الأول بشكل سهل وهو الانتفاضة الفلسطينية الاولى، ما هو موقفك من الانتفاضة وهل تتوافق مع قيمك؟  هنا نتحدث عن جيل بدأ وعيه في نهاية الثمانينيات، وهو جيل محظوظ نسبيا لأنه شهد الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أعادت بعض الأمل المفقود وسط حرب أهلية لبنانية طاحنة، نظام مبارك بعد السادات، نظام الأسد بعد حماة، أنظمة الخليج المستقرة، تونس بتوطد حكم بن علي، الملك حسين يحتفل باليوبيل الفضي ويستعد للاحتفال باليوبيل الذهبي، صدام حسين قائدا عربيا خالدا، الى اخره!

الجميع سعيد بالانتفاضة الفلسطينية. انتفاضة فيها أطفال كثر، وفيها حجارة تتطاير وشباب بكوفيات يحرقون إطارات بتحد وشقاوة أمام الجنود الإسرائيليين، والجميع يشاهد بدهشة تكسر عظام الأطفال “على الناعم”، والعدو مشترك إسرائيل. مثلا، على خط التماس بين مخيم شاتيلا وحرش شاتيلا، يقف مقاتل فلسطيني داخل الحصار مع مقاتل من حركة أمل يحاصره ويتحدثان بسرور عن جمالية الانتفاضة الفلسطينية الأولى.. أو لنأخذ هذا المشهد: حموي فقد ثلاثة من أفراد عائلته، ودمر بيته، وغير قادر ان يتحدث عن جروح سنة 1982، ويشاهد التلفزيون في المقهى الشعبي في حي الأربعين، وعلى الطاولة المجاورة مخبر بعثي، وأخيرا يعلو صوت الحموي متحدثا عن جمالية انتفاضة الشباب، فيواقفه البعثي ولكن مع زورة تستكشف أغوار هذا الموقف: هل هو يتعلق بالفلسطينيين البعيدين أم له انعكاسات داخلية؟ ولكن كلاهما مسرور بالمشهد..

غير ان هذه الجمالية لن تطل. الفاتح صدام حسين سيتابع فتوحاته في الكويت. هنا سيبدا المشهد بالتعقد من جديد. وسؤال مادة العالم العربي 101: كيف تأخذ موقفا أخلاقيا في هذه اللحظة؟ كيف توفق بين قيمك وموقفك؟ إن كنت تعتبر أن أمراء الكويت هم تبعية لاميركا وجاثمين على صدور الشعب الكويتي، فهل تؤيد إنهاء كيانهم واحتلال بلدهم من دون موافقتهم لضمها إلى العراق الذي يجثم على صدره صدام؟ أو لنقل إنك بعثي سوري صرعت الدنيا بمحاربة الامبريالية وتخوين بعث العراق، فهل ستؤيد أن يتوجه جيش “بلدك” ليقاتل تحت قيادة الولايات المتحدة؟ أو لنقل أنك من محبي صدام  وتعتقدين انه يصون الكرامة العربية، وانه قائد صارم.. ويلقن درسا للطموحات التوسعية الخمينية، ويتحدى مشايخ الخليج ويناصر القضية الفلسطينية، فماذا ستقولين أمام كويتي يُنهب بيته ويُعبأ في شاحنات الجيش العراقي أمام كل هذه القضايا الكبرى؟ أينما كنت، ستبدأ أعراض انفصام الشخصية بالتكون.. وإحدى أعراض هذا الانفصام هو الحديث عن الاختيار بين أقل المساوئ.. “وهذا الموجود”.. الخ من الجمل. لكن هذه الجمل سياسية (الممكن، المتاح، الخ) ولا تتعلق أساسا بالقيم. مادتنا هنا هي عن القيم. طبعا وُجِد من اتخذوا موقفا حاول ان ينسجم مع قيم أخلاقية آمن بها مثل الديموقراطية وان يكون ضد مشايخ الخليج والولايات المتحدة في آن، وإن خليت بليت!

ثم جاء اتفاق الطائف اللبناني، وعمّ الأمل بانتهاء الحرب الاهلية وعودة الاسقترار وعودة المهجرين وتعافي البلد ولكن التلفزيونات لا تزال تعرض صور ابطال الحرب ومجازرها كسياسيين هذه المرة.

ثم “حزب الله” من الحرب اللبنانية الى المقاومة الى عودة أجواء الحرب الاهلية اللبنانية واجتياح بيروت وصولا إلى اجتياح القصير… والى جانبه “المستقبل” والاستقرار السياسي والاقتصادي وشركة وسط بيروت “العقاري” والمال السياسي ولبنان ساحة لنزاع انظمة السعودية وايران وسورية ثم اغتيال الحريري.

ثم احتلال العراق والمقاومة العراقية وظهور الحرب الاهلية الطائفية وسور بغداد العظيم، الخ.

ثم الثورة المصرية وما تلاها من “إخوان” منخبين مع دستور على مقاسهم وسلطات فوق القضاء وترهيب وتكفير ثم قوى سياسية في خارطة طريق جديدة مع العسكر ثم مجزرة مفتوحة وتفجيرات واشتباكات ومظاهرات تستمر.

ثم الثورة السورية ومظاهرات تدعو الى الحرية والكرامة مقابل “الأسد أو نحرق البلد” والإشراف الحريص على الولادة القيصرية لداعش والغبراء (الغبراء في العربية تعني مثلا زهران علوش- قاموس السلف لا للحاضر) ومعارضة سياسية باتت بجيب الدول وثوار مستمرون وسط الميمعة.

وهل نعود إلى سؤال الحرب الاهلية اللبنانية في بداياتها..؟ مظاهرات سلمية تطالب بالاصلاح السياسي والاقتصادي، تجمع حركات سياسية تطالب بالاصلاح، الصيادون يخرجون بنظاهرات سلمية (ويغتال معروف سعد)، اضرابات عمالية (وقتلى)، حركة طلابية قوية يطلق الرصاص عليها، والنظام يرفض الاصلاح. السلاح يكثر ومواجهات  متقطعة بين فصائل فلسطينية والجيش اللبناني، عين الرمانة، بدء الاشتباكات، السبت الاسود، وقوات الردع ومجزرة من هنا ومجزرة من هناك، حرب السنتين ثم الثلاثة وخمسة عشر عاما كاملة! حدد موقفك الآن!

عزيزي الطالب، عزيزتي الطالبة، لو تمكنت من تجاوز كل دروس مادة العالم العربي 101 باتخاذ مواقف تتطابق مع قيمك بنسبة 30 بالمئة فيمكن اعتبارك ناجحا ادراكا لمدى الانحطاط القيمي العام، ومبروك الترفيع الى مادة العالم العربي 102..

هذا المنشور نشر في Bahrain | البحرين, Disappeared | المفقودين, Egypt | مصر, Jordan | الأردن, Kuwait ا الكويت, Lebanon | لبنان, Palestine | فلسطين, Saudi Arabia | السعودية, Syria | سورية, Tunisia | تونس. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s