عريضة ضد مشروع القانون المقترح لزيادة عوامل استثمار البناء

(المعروف أيضاً بقانون «البناء الأخضر»)

نحن الموقعين والموقعات أدناه، مهنيين، أكاديميين وأعضاء ناشطين في المجتمع المدني، نعبّر عن تحفظاتنا الشديدة على مشروع قانون “البناء الأخضر” المقترَح، لثقتنا بآثاره السلبية على البيئة الطبيعية والمبنية في لبنان، وتسببه بتردّي نوعية الحياة المتراجعة أصلاً في مدننا وقرانا. هذا القانون لن يخدم مصالح موظّفي القطاع العام الذين لا يجوز أن تُستغلّ وتُحرّف مطالبهم القيّمة لتبرير المزيد من المضاربات العقارية.

نعرض في ما يلي النقاط الأساسية:
١. هذا القانون يمنح الأولوية لأرباح البيع العقاري على حساب الطاقة المعيشية، المساحة العامة، ونوعية الحياة اللائقة والصحية:
ان مبدأ وروحية هذا القانون يضحيان بمساحاتنا الطبيعية وبيئتنا المبنية لصالح رؤيا عقارية مرتكزة على كثافة رأس المال. كما أن هذا القانون يصبو الى زيادة الربح الى الحدّ الأقصى عبر استغلال المساحات في مدننا وقرانا، بدلاً من تحسين نوعية الحياة فيها على المدى الطويل. ان الهدف الذي يصبو اليه التنظيم المدني عبر ترتيب المناطق ووضع قوانين البناء هو حماية المساحات العامة وتحسين شروط التنقل وتطوير نوعية الحياة والشروط المعيشية للسكان، لا تمويل الخزينة العامة و/أو تشجيع المزيد من المضاربات العقارية.

٢. هذا القانون يشجّع على زيادة نسبة الكثافة في مدننا التي تغصّ بالسكان، ولا سيما بيروت العاصمة، ويضع حملاً اضافياً على البنى التحتية التي لم تعد قادرة على تلبية حاجات السكان (الطرقات، المجاري، ومؤن المياه). ان اقرار هذا القانون هو خطوة غير مسؤولة سوف تتسبب بتدهور نوعية الحياة المتردية أصلاً في مدننا لجهة زيادة الاكتظاظ والتلوث. وتثبت نتائج استطلاع “مرسر” الأخير حول نوعية الحياة أن مركز بيروت يتراجع بانتظام، حيث صُنفت عاصمتنا من بين أسوأ عشرين مدينة حول العالم من حيث شروط العيش فيها.

٣- هذا القانون يشجّع انشاء أبنية أعلى ارتفاعاً وأكثر كثافة، ما يعزّز عملية هدم ما تبقّى من المباني التراثية.
في العقدين الأخيرين، فقدنا معظم تراثنا الريفي والمديني. في المدن. وقد هُدمت في مدننا الأبنية العائدة الى عصر الحداثة وما قبل الحداثة، لتخلي الساحة للمباني التجارية والسكنية المرتفعة المخصصة للطبقات الغنية كتلك التي يروّج لها هذا القانون. أما في القرى، فقد أدى الأنتشار العشوائي للبناء الى هضم ما تبقى من ارثنا. لعلّ الأوان قد فات للحديث عن أي ميزات أو تاريخ تتفرد به قرانا ومدننا، لكن لا بد للمشرّعين أن يدركوا أنهم بتشجيعهم ممارسات البناء الكثيف، هم يدمّرون آخر ما تبقى من تراث وطننا العمراني والطبيعي.

٤- هذا القانون لا يأخذ بالاعتبار الاختلافات الأساسية بين مختلف السياقات الايكولوجية، فيعاملها جميعاً بالتساوي لجهة نسب المساحات المبنية. فهو لا يفرق بين المناطق الزراعية الريفية، والمناطق الأثرية المحمية، والمساحات الطبيعية والمساحات المدينية، ويسمح بزيادة الاستثمار فيها دون مراعاة خصائصها المميزة.
وعلى سبيل المثال، سوف تؤدي زيادة عامل الاستثمار بنسبة 25 % بالتساوي على عدد الطوابق المسموح بها الأربعة ، الى زيادة كبيرة فيرقعة البناء وألاستثمار السطحي مما يؤدي الى تقليص المساحات المفتوحة/ الخضراء، بالإضافة الى تحويل جذري وغير مدروس للتشكّل المورفولوجي.
ومن الضروري لأي قانون يحكم عملية تقسيم المناطق و/أو البناء، أن يلحظ الاختلافات الرئيسة بين المساحات الريفية والمدينية، وأن ينظّم ترتيب المساحات بناءً على خصوصيات كل منها.

٥. ان آلية تطبيق القانون غير محددة، كما أن المبادئ التوجيهية لتقييم أثر المباني المرتفعة وفاعلية المباني الخضراء المقترحة غير متوفرة. في هذا السياق، تبدو هواجسنا منطقية وشرعية ازاء الأثر السلبي لأي عوامل خارجية اضافية تكبد البنية التحتية والبيئة أحمالاً تعجيزية.

٦. ينصّ القانون على امكانية اعفاء “المناطق الاستثنائية” مثل منطقة سوليدير، مما يعكس وعياً واضحاً لآثاره السلبية الممكنة على البيئة العمرانية للمدينة. لا بد للجهات الرسمية والادارات العامة، ولاسيما القيمين على أمورالتخطيط والتنظيم المدني، أن يظهروا حرصاً على حماية البيئة العمرانية والحفاظ على نوعية الحياة في كل أنحاء الوطن وليس فقط في وسط المدينة.

٧. اننا نرفض الادعاء القائل بأن زيادة الكثافات سيزيد من مؤن الوحدات الاسكانية وبالتالي سيؤدي الى انخفاض أسعار الشقق. في لبنان، لا تُستمدّ الأسعار الباهظة للإسكان من منحنى العرض/ الطلب المبسّط، بل من تقليد دأب على حماية الاستثمارات في السوق العقاري، بما في ذلك المضاربات العقارية.
ونلحظ هنا أنه جرى اعتماد حجة مشابهة (زيادة المؤن من أجل زيادة مؤن الاسكان) سنة 2004 بهدف تبرير تعديل قانون البناء ورفع معدلات الاستثمار. وبالرغم من ذلك، فقد تضاعف سعر المتر المربع من المساحة المبنية في العام 2006 بسبب التحولات التي جرت في الأسواق المالية العالمية وليس نتيجة لمستوى العرض والطلب المحلي. كذلك نلحظ بأن معظم البلدان حول العالم لجأت الى مواجهة أزمة النقص في المساكن عن طريق تطوير البنى التحتية العامة، وفرض نسبة من الوحدات السكنية ذات الأسعار المعقولة في كل انشاء عمراني، بالإضافة الى تدابير أخرى. لا بد من تطبيق تدابير كهذه في لبنان بشكل جدي، اذ من شأنها أن تستجيب لأزمة النقص في المساكن بشكل أفضل بكثير من التشريعات التي اختبِرت وأُثبت فشلها سابقاً.

٨. اننا نأسف لإساءة استخدام مفهوم البناء الأخضر من أجل تبرير ممارسات تناهض بحدّ ذاتها مبدأ البناء المسؤول بيئياً.
جميع الموقعين والموقعات أدناه يحيّون الاهتمام بالبناء الأخضر ويشجعون تبني قوانين البناء الأخضر على أرض الوطن. لكن الترويج لتشجيع البناء الأخضر ينبغي ألا يبرر ممارسات أخرى تؤثر سلباً على البيئة في مدننا وقرانا. ففي المدن، سوف يؤدي الاستثمار الكثيف المُروّج له في هذا القانون الى زيادة في كثافة البناء من شأنها أن تقوّض امكانية اعتماد ممارسات البناء الأخضر. أما في المناطق الريفية، فان زيادة معدلات الاستثمار التي يقرها القانون سوف تؤدي الى ازدياد تمدد البناء، مما يناهض مبادىء البناء المستدام التي يدعي القانون انه يشجعها.
واذ يدرك الموقعون والموقعات أدناه أن العديد من بلدان العالم قد اعتمدت تدابير تؤدي الي زيادة نسب الاستثمار بهدف تحفيز البناء الأخضر، الا انهم يلحظون أن تلك التدابير تصمم بعناية ويقيد تطبيقها في مناطق محددة وواضحة المعالم، بدلا” من تعميمها دون تمييز، كما هو مقترح عندنا، فوق الأراضي الزراعية، والمناطق غير المنظمة، والأحياء التراثية وغيرهل من المعالم الطبيعية.
كما ان اعتماد مثل هذه التدابير يهدف الى سد نفقات البناء الأخضر وليس الى سد العجز في الخزينة أو الى تمويل قطاعات أخرى على حساب البيئة الطبيعية والمبنية.

٩. يُقال ان هذا القانون ضروري من أجل تمويل الزيادة الملحّة في رواتب موظفي القطاع العام. لكن في الواقع، هناك عدد من مصادر التمويل الشائعة والمُستخدَمة على نطاق واسع، والتي تبدو قطعاً أكثر منطقية. هذه المصادر تشمل ما يلي – اذا ما أردنا البقاء ضمن اطار البناء والمجال المديني:
– زيادات في رسوم البناء والضرائب.
– فرض الضرائب على المضاربات العقارية.
– جبي الرسوم من الميسورين والأثرياء الذين احتلّوا لعقود حتى الآن الشواطئ العامة مجاناً دونما تسديد أي بدلات ايجار أو استثمار.

هذه الضرائب ليس من شأنها تحسين وضع الخزينة العامة حصراً، بل سيكون لها أثر ايجابي على البيئة العمرانية وأسعار السكن، وخلاف ذلك. هناك أيضاً ضرائب أخرى كثيرة يمكن فرضها من أجل توليد مردود عام بشكل فاعل ومستدام، مثل الضريبة على الدخل وزيادة نسب الضرائب على منتجات معينة مثل المشروبات الكحولة والسجائر.

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s