‫حراك 17 تشرين الثاني بحثا عن المفقودين‬

١٩٧٥-١٩٩٠
مسؤول لا يهتم بتسجيل الأسماء‬
‫يصادف السابع عشر من تشرين الثاني اليوم الذي بدأ فيه الحراك المدني منذ ثلاثين عاماَ  بحثاً عن المخطوفين، والذي نتج عنه تشكيل لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين أثناء الحرب الأهلية في لبنان.  باتت قصة الحراك في بدايته في العام ١٩٨٢ معروفة وشائعة. وكلما ترددت تكشف مأساة الحرب المستمرة في بلد لا يقدّر معاناة شعبه ولا يفهم تأثيرالحرب عليه. كما تظهر القصة قوة الحب وإرادة الحق والحرية. ‬أحب هذه القصة، وسأحكيها لكم مرة أخرى:‬

بحجة التحقيق معه لخمس دقائق في حادث سيارة، اختطف عدنان من بيته.‬ حاولت زوجته وداد اقتفاء أثره و لكن دون جدوى. لمدة الشهر و نصف الشهر، ظلّت تطرق أبواب كبار المسؤولين من رئيس الجمهورية الى وزير العدل، لمفتي الجمهورية، إلى البطريرك. حاولوا التخفيف عنها، فقالوا لها أن هناك آخرين مثلها يحاولون البحث عن ذويهم ممن اختطفوا تماماً كزوجها. أرادت أسماءهم، ولكن لم يكترث أي مسؤول لتدوين أياً من أسامي أهالي المخطوفين. خطر لوداد أن تطلق إعلاناً بالإذاعة تدعو فيه للقاء بين أهالي المختَطفين في كورنيش المزرعة، القريب من بيتها، متأملة أن يستجيب شخصين أو ثلاثة، يتعرفون على بعضهم البعض ليكملون البحث سوية. لم تكن وداد تتخيّل أنها ستلاقي المئات مجتمعين. ‬حين صار اللقاء توجه الأهالي بأول مظاهرة مسيراً إلى السرايا الحكومية‬…

‫«…اللي حالياً هي صارت وزارة الداخلية، أوكي، كر وفر وكانت حالة طوارئ وممنوع التجمع وممنوع التظاهر وقمعونا والخ.. بس أنو إحنا كنا كثار كنا قوايا، كلياتنا، كل النسوان كانوا قوايا وبفتكر كلهم كانوا معتبرين مثلي بدون ما أناشقهم ويناقشوني أنه راح الغالي فما بقا فارقانة معنا شي فماشيين وإلا من وين جابوا هالقوة. فجابهنا، ما كنا نتراجع وبعدين إنو نروح ثمانية منا أجا الضابط يفاوض معنا لتقابلوا رئيس الوزارة وبعد ما قابلنا رئيس الوزارة وكب علينا، بعد شوي رح يبكي معنا، كب مجموعة وعود. نزلنا نحنا تعرفنا على أسماء بعضنا وقلنا أنه لازم نكمل، وهيك شكلنا اللجنة وكان أول عمل عملته نتيجة معاناتي أنو الناس بطل إليها أسماء اللي انفقدوا، فكان أول عمل عملناه دعوة الناس ليجوا كل واحد عنده مخطوف، مفقود يجي يسجله، وصرنا نحمل كل ما يتسجل أسماء نبعثهم على الجرائد أنو هول إليهم أسماء وإليهم أعمار وإليهم أهل وإلهم ولاد.»‬ (مقابلة مع وداد حلواني)

في ٢٠١٢، بعد ثلاثين سنة تطلق وداد حلواني عبر إذاعات الراديو نداءَ ثانياَ  للمشاركة في مسيرة السبت المقبل.

٢٠٠٠
لجنة رسمية توصي بإقفال القضية‬

‫نشط أهالي المفقودين لمدة ١٨ سنة قبل حصولهم على إعتراف رسمي بوجود المفقودين. بدأوا بالمطالبة بالإفراج عن ذويهم في بدايات الحرب، وأصروا على حقهم في معرفة مصيرهم عند إنتهاء الحرب في سنة ١٩٩٠. تشكلت ‬«‫لجنة تحقيق للإستقصاء عن مصير المخطوفين والمفقودين» في عام ٢٠٠٠ حينها ارتفعت معنويات الأهالي، الا أنه بعد ستة أشهر أصدرت اللجنة تقريراً من ثلاث ورقات.

استنتجت اللجنة أن لا أحياء من بين المفقودين، بل اعترفت بوجود ثلاث مقابر جماعية حددت تواجدها بهذه الكلمات:

«داخل مدافن الشهداء في منطقة حرج بيروت ومدافن مار متر في الأشرفية ومدافن الإنكيز في التحويطة، كما تم القاء البعض منها في البحر».

أما في ما يخص المعتقلين في السجون السورية، فقد أجرت اللجنة إستعلاماً أمنياً عتيداً تلّخص في هذه الجملة:

«لدى مراجعة السلطات المختصة ثبت عدم وجودهم (أي المفقودين في عداد الموقوفين) في الجمهورية العربية السورية.»‬

كما تستنتج لجنة التقصي أن التعرف على الجثث “غير ممكن” بهذه الكلمات:‬

‫«- وحيث أنه قد تم تكليف أطباء شرعيين واخصائيين في مضمار تحليل حامض الريئي النووي للكشف على العيينات المستخرجة.‬
– وحيث انه قد تبين بنتيجة الكشف تعذر تحديد هوية أصحاب الجثث نظراً لطبيعتها وقدم عهدها.
– وحيث انه استنادا لقوانين الفقدان والأحوال الشخصية لجميع الطوائف، والتي تجمع على اعتبار في حكم المتوفي من اختفت آثاره في ظروف يغلب عليها طابع الهلاك ولم يعثر على جثته خلال أربع سنوات على الأقل.‬»

‫وتنهي اللجنة تقريرها بنصيحة للأهالي من ثلاثة أسطر وتغلق القضية ونقطة عالسطر. أما توصية اللجنة فصيغت كالتالي:‬

‫«لذلك تعتبر اللجنة ان جميع المخطوفين والمفقودين الذين مر على ظروف اختفائهم مدة اربع سنوات وما فوق ولم يعثر على جثثهم هم في حكم المتوفين، وبالتالي توصي بالايعاز الى ذويهم مراجعة القضاء المختص لاثبات الوفاة بصورة قانونية.‬»

‫لم يخطر على بال «لجنة التحقيق الرسمية للإستقصاء عن مصير المخطوفين والمفقودين» والتي تصدر تقريراً من ثلاث صفحات لتحديد مصيرهم، أن القضية لا تنتهي هنا. من جهة فإن الاستنتاجات التي خلص لها التقرير مرتكزة على آليات تحقيق غير مقنعة، كاستنتاج أنه لا يوجد معتقلين في السجون السورية، واستنتاج آخر خاطىء بعدم إمكانية التعرف على الجثث علمياً. من جهة ثانية تشكل هذه الوثيقة اعترافاً رسمياً بوجود مقابر جماعية ومن هنا تكون الدولة التي أرادت التخلص من ملف المفقودين قد فتحت مجالاً واسعاً للمضي قدماً بهذا الملف عبر القضاء، من شدة بعدها عن الناس واستخفافها بكيانهم. ‬

٢٠١٠
وزارة تعطّل مشروع قانون‬

‫في سنة ٢٠١٠ قُدم لوزير العدل النسخة الأولى لـ «مشروع قانون للأشخاص المفقودين والمخفيين قسرا». عمل على مشروع القانون لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، لجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين (سوليد)، محامون من المفكرة القانونية، المركز الدولي للعدالة الإنتقالية، وتم الاستفادة من اللجنة الدولية للصليب الاحمر في ما يخص آليات تحديد الهوية من خلال الحامض النووي. كان واضحا من الجلسات مع المسؤولين، أن التعامل مع قضية المفقودين لا يعكس حساسية اتجاه الموضوع من قبلهم أو صون للحق. كما أن المشرّعين يتهربون من لعب دورهم في صياغة قوانين لها رؤية وبعد زمني، بحجة أن أشغالهم كثيرة! فلم يدرس القانون، بل قابله وزير العدل بمرسوم ليس له صلاحيات يوصي بتشكيل لجنة استقصاء على غرار لجنة ٢٠٠١. ‬

سارع الأهالي بإبداء ملاحظاتهم على المرسوم ولكن لم يؤخذ بها وقدّم المرسوم الى مجلس الوزراء. تريث المجلس ببته نتيجة ضغط الأهالي، فهم لن يقبلوا بقانون أم مرسوم يميّز بين الضحايا أولاَ، فيستخدم مصطلح «المخفيين قسرا»، بدل كلمة مفقودين، والتي تشمل كل حالات إختفاء الأشخاص خلال الحرب حتى حين لا تكون تفاصيل قصة الفقدان معروفة (المكان، الزمان، الجهة المسؤولة). ولن يقبلوا بمرسوم لا يمنح أي سلطة لجمع المعلومات تحدد مصير المفقود ومكان وجوده (حيا كان أم متوفياَ) وملاحقة من لا يتجاوب في الكشف عنها. كما أنهم لن يرضوا بمرسوم لا يضمن استقلالية التحقيق، وتنتهي صلاحيته مع إنتهاء صلاحية الوزارة. كما أن الأهالي قد وضعوا آلية مع إختصاصيين للتعرف الى هوية المفقودين عند فتح المقابر الجماعية، وبداية بتلك التي اعترفت بوجودها الدولة اللبنانية.

بلد يطمس الأنفاس
تم تكريس حق المعرفة عالمياَ بمعاهدة عام ٢٠٠٦، كما أن تجربة البوسنة والهرسك حيث قامت السلطات المحلية والمجتمع المدني ببلورة سياسات تعالج قضية المفقودين مفيدة لنا. أما حكوماتنا فتناور وتتلاعب وتطمس الحقائق لتضيّع الحقوق.
في عام ١٩٩٠، إجتمع المسؤولون عن الحرب والمجازر وأصدروا عفو عام لكل ما ارتكبوه ما بين سنة ١٩٧٥ و١٩٩٠. يلجأ بعض المسؤولين الى هذه الحجة ويطرحها كإشكالية لإصدار قانون يسمح للشعب اللبناني بأن يعرف تفاصيل ما حصل. ولكن الكشف عن مصير المفقودين لا يندرج تحت العفو العام، فلا قدرة على العفو في ظل جريمة قائمة ومستمرة.
‫كشف في آب ٢٠١١، صدفة، عن مقبرة جماعية في أرض دير يقع في بلدة الشبانية في الشوف. تشكلت لجنة من أهالي المفقودين والمركز اللبناني لحقوق الإنسان والمحامي نزار صاغية لزيارة المكان على خلفية تصريحات المسؤولين أن العظام التي ظهرت هي عظام حيوانات، كلاب وعنزات. لم يسمح حارس الدير ورئيس البلدية (كريم سركيس) بدخول اللجنة الى المكان حيث تم إكتشاف المقبرة. كما تواجد مسؤول من مخابرات الجيش والأمن الداخلي منعوا الدخول الا بإذن من المدعي العام. وثقت اللجنة شهادات من وجدوا المقبرة ومن شاهدوا عظام داخل أكياس بلاستيك! ‬
غطى الإعلام اللبناني هذا الخبر على أنه مقبرة جماعية لحيوانات واستند الى تصريحات طبيب شرعي أكدّ الخبر، يكون صدفة ذات الطبيب الذي أكدّ مثلية الشباب الذين غار عليهم الأمن في سينما بلازا، من خلال فحص العار.

أصبحت عادة عندنا عدم المحاسبة، وسيناريوهات الحرب تلازم كل المدن اللبنانية.
تذكرنا الثورة السورية اليوم بضرورة ممارسة حق المعرفة. كما تذكرنا معاناة وقصص آلاف المفقودين والمعتقلين الآن من السوريين في سجون النظام، بأوجاع تعرض لها من لا نعرف مصيرهم حتى الآن.

٢٠١٢
بكفي نطرة، من حقنا أن نعرف مصيرهم

تمر المسيرة لإدانة تقاعس السلطات اللبنانية من المكان التي إجتمع فيه أهالي المخطوفين لأول مرة منذ ٣٠ سنة في كورنيش المزرعة. وتسلك طريق المقابر الجماعية التي حددها تقرير لجنة ٢٠٠٠، لتصل الى خيمة أهالي المعتقلين في السجون السورية القائمة منذ  العام ٢٠٠٥.
يوم السبت ١٧ تشرين الثاني
الساعة ١:٣٠ نقطة الإنطلاق المتحف

هذا المنشور نشر في Human Rights | حقوق الانسان, Lebanon | لبنان. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على ‫حراك 17 تشرين الثاني بحثا عن المفقودين‬

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s