لقاء لاجئين سوريين في المرج

رئيس بلدية المرج وآخرون عند مدخل المدرسة الرسمية في بلدة المرج في البقاع

يُحكى أن ثلاثين ألف لاجئ سوري دخل لبنان عند قصف دمشق.
زيارتنا الى مدرسة المرج يوم 28 تموز جائت بعد ان كان وزير التربية والتعليم اللبناني قد صرّح ان الوزارة ستفتح المدارس الرسمية خلال فصل الصيف لإيواء النازحين السوريين الجدد (اتضّح لاحقاً ان مدرسة المرج هي الوحيدة التي فتحت فعلياً – المصدر: رويترز).

ـ منظمة؟ جمعية؟ مين انتو؟ من وين؟
ـ لا منظمة، ولا جمعية ولا حزب. نحن مجموعة أشخاص حابين نسلّم عالنازحين السوريين ومعنا شوية أغراض وبدنا نفهم شو فينا نعمل أكتر.

حصل ذات السؤال والجواب ما لا يقل عن خمس جولات مع كل وجه جديد يستقبلنا عند مدخل المدرسة الرسمية في بلدة المرج في البقاع التي فُتحت لإيواء نازحين سوريين منذ ثلاثة أسابيع.
في البدء فضّل الرجال الخمسة الواقفين أمامنا ألا ندخل المدرسة لنقابل النازحين، وقال أحدهم إنهم لا يسمحون لأحد بالدخول وحثّنا بترك ما صرحنا عنه من أغراض بحوزتنا على المدخل، وتعهد بتولي الباقي.
لم يعجبنا الجواب ونحن متلهفون لمقابلة من نزح من قصف دمشق، أقدم مدينة عالمية، ولنحييهم ونواسيهم ولو قليلاً بتضامننا.
شرحنا عن نيّتنا للدعم، وعن ارتباطنا بمجموعة أكبر من المتطوعين في بيروت، وعن ضرورة فهمنا لحاجات النازحين للمساعدة في الاغاثة.

ـ خليهم يفوتوا
ـ طيب فوتوا عالسريع

دخلنا بعد طول سيرة. صعدنا السلالم الى الطابق الأول حيث غرف التدريس. كان هناك أربع غرف على الجهة اليمنى واليسرى من الدرج تئوي كل غرفة حوالي ثلاث عائلات أو أكثر. دخلنا إحدى الغرف وسألنا امرأة عن حالها. بعد دقيقة أتى الرجل الذي قال لا نسمح لأحد بالدخول مع أسبابه الأمنية.

–  عجلوا، اختصروا.

تابعنا حديثنا لكنه جاء مرة أخرى يدفعنا على الإنتهاء سريعاً من الأمر.

رفضنا ودار نقاش. سمعنا رئيس البلدية الذي أصبح في الجوار. كان يتحدث على الهاتف بصوت عال “الو! معالي الوزير؟” تدخّل، استفسر عن هويتنا لكنه ختم بمنحنا راحتنا في أرجاء المدرسة وبإعطائنا مهمة البحث عن الحاجات النسائية بين النازحات.
“في وحدة هون عم بتدوخ. شوفيلي شو بها. بركي حبلى.”!
“أنا ما فيني افحصها واكتشف اذا حبلى. لازم تجبلها حكيم.”

بدا على بعض الوافدين من الشام القلق على حالتهم ومستقبلهم ووضعهم الحالي في لبنان. وكأن صفة “لاجئ” تصيبهم بهلع عدم التمكن من الرجوع الى أرضهم.
«ما باقيين هون، بيقولولنا انو ما في رجعة وانو ما فينا نطلع من المدرسة. بدنا نطلع، نشتغل، نرجع… ما فينا هيك. يصير فينا مثل الفلسطينية مش ممكن. ما حنصير لاجئين. هلق طلعنا شوي بس ما فينا هيك، مش ممكن، شوي وراجعين عند أهلنا». هكذا عبّرت بصوت ناعم المرأة الثلاثينية القادمة من حيّ السيدة زينب حيث عاشت طوال حياتها، كحال جميع النازحين في هذه المدرسة.

كان واضحا لنا كم أن النزوح صعب عندما يُستقبل ويُرعى من قبل جهة رسمية مسيّسة تقوم بالواجب من جهة الإغاثة ولكنها تخضع للمنطق الأمني وللحسابات السياسية. وكم أن حالة مدنية تحضن اللاجئين السوريين ضرورية لدعمهم.

وهذا الأمر “المسيّس” كان واضحا عند نقطة الحدود: فأول مشهد يراه النازح السوري عند دخول لبنان هو عبارة عن خيمتين فارغتين على كل منهما يافطة كبيرة.

خيم حزبية أمام حدود “المصنع” اللبنانية السورية

روايات اللاجئين عن أسباب نزوحهم متعددة ولكن بعضها يُروى براحة أكثر من غيرها. القصف المدمّر على حي السيدة زينب كان السبب الجامع للنزوح، كذلك نداءات الجوامع بإخلاء البيوت. البعض ذكر ملثمين على مدخل بيوتهم يأمرونهم بالرحيل، من دون تحديد هويتهم.
جميع اللاجئين في المدرسة كانو قد فرّوا من منطقة الست زينب في دمشق، حيث بدأ الوضع الأمني يتدهور عند سقوط أكثر من 100 قتيل وعشرات الجرحى في مجزرة نفذتها قوات النظام إثر استهداف مروحية موكب تشييع مساء 18/7/2012 في منطقة حجيرة التابعة للسيدة زينب بريف دمشق. وقد تزايد عدد الفاريين من المنطقة مع استمرار النظام بقصف المنطقة بالطيران المروحي مبرراً ذلك بـ”تطهير” المنطقة من “تجمع إرهابي” متمركز هناك.

شعار “سورية حر حرية” على لوح في مدرسة المرج الرسمية

خلفيات النازحين في مدرسة المرج متنوعة كما تنوع الحيّ الذين أتوا منه: فالسيدة زينب منطقة ذات تنوع كبير اذ أن الحياة والسكن فيها من أرخص أحياء دمشق.

روايات الرحلة من حيّ السيدة زينب الى الحدود اللبنانية-السورية كانت أول ما حدثنا عنها النازحون. أخبرتنا امرأة ثلاثينية وهي تحمل طفلاً رضيعا: “حاولنا كتير ناخد سيارة على السومرية. كان شبه مستحيل. كل ما تقول للسواق على السومرية، بيقول لأ. من الخوف. بالآخر بعد انتظار طويل قبل معنا سائق وأخدنا”.

وأضاف رجل أربعيني:

“عم يحرقوا دواليت ومسكرين الطرقات بالست زينت كلها، من أول الحجيرة لآخر خربة الورد. فهربنا بين البساتين. إجينا للمنطقة الصناعية، تركنا الساعة 1:30 ووصلنا الساعة 8 لمنطقة الصناعة بالسيدة زينب. كنا هلكانين. تركنا 8:30 لشارع التجارة، ما كان فيه حدا هونيك.”

إذا لم يكن سهلا الوصول الى منطقة المصنع الحدودية. عند نقطة الحدود، التفتيش كان مكثفاً، وفي بعض الأحيان استغرق ساعات طويلة بسبب عدم توفر هويات عند عدد من الأطفال.
عند وصولهم الى لبنان، لم يعرفوا تحديدا ما العمل. انتظروا في منطقة المصنع حتى وصول رئيس بلدية المرج الذي نقلهم الى المدرسة الرسمية حيث هم الآن.
قالت لنا بعض الأمهات إنهن صائمات لكن أولادهن بحاجة الى طعام ولم يؤمنوا الطعام منذ وصولهم الى لبنان، أي منذ يومين.  ناهيك عن احتياجات ملحة كحليب الرضع والحفاضات والفوط الصحية. لم نفهم لماذا لم يباشر أحد من البلدية أو من سكان المنطقة بشراء هذه الحاجيات لهم. بعضنا ذهب ليفعل ذلك وبعضنا الآخر تكلم مع مندوبين وزارة الشؤون.
“لأ وزارة الشؤون ما بتعطي حليب للولاد. منخاف يصرلهم شي.”
“بس رح يصيرلن شي أخطر اذا تركتوهم بلا حليب.”

ثم طلبت منا المندوبة أن نساعد الوزارة بعمل مسح على النازحين في المدرسة وتدوين عددهم وما يحتاجونه. لم نود أن نقوم بواجب الدولة أو بعمل يتقاضى راتب عليه عاملون في الوزارة، لكننا كنا على يقين بأننا سوف نساعد النازحين اذا ما قمنا بتدوين ما يحتاجونه.

عند خروجنا، رأينا سيارة من الأزهر محمّلة بالمساعدات تصل الى المدرسة علماً بأن “ركز جامع الأزهر في البقاع” كان قد قال للوزارة إنهم منحوا لاجئين المرج مساعدات منذ ساعات الصباح الأولى.

مدرسة المرج الرسمية

منذ لقائنا هذا والكثير من الناشطين والصحافيين يسألوننا عن كيفية المساعدة والمشاركة في الاغاثة. مبادرتنا هذه كانت شخصية ومستقلة. جمعنا بعض المساعدات وتوجهنا للبحث عن مكان اللاجئين في البقاع. آخرون ذهبوا الى الشمال. ونحن نحث المبادرات الشخصية أو اللجوء الى مبادرات أوسع مثل سيريا أيد بدل الاتكال على الدولة اللبنانية.

من الطبيعي أن الجمعيات الدولية وبعض الأطراف السياسية في لبنان سوف تتدخل للإغاثة لكنها بطبيعتها مسيّسة وتخضع لنظام بيروقراطي ولا تعطي دفعاً معنوياً للاجئين. ان مقاومة نظام مافيوي وقاتل تكمن أيضاً في مقاومة الاحباط والانكسار المعنوي للنازحين السوريين. العمل السياسي في هذه الحالة يشمل الاحتضان الشعبي والمواساة والمساعدة في تأمين العيش الكريم لكل من لجأ من سوريا بحثاً عن الأمان بعيداً عن محسوبيات طوائف الدولة اللبنانية وإعاشات جمعيات الدول الغربية.

“الله لا يوفقه اللي عمل فينا هيك. كنا نئوي الناس. هلأ صار بده مين يئوينا. ليسقط.”

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على لقاء لاجئين سوريين في المرج

  1. يقول hudu2nisbi:

    وليام هيغ تبع العظمى بريطانيا عم “يبذل جهده” من أجل ان يزيد من الدعم البريطاني للسوري الحر:
    1) هواتف خليوية
    2) أجهزة لاسلكي يمكن استخدامها لابلاغ المدنيين بالهجمات الوشيكة (لاحظ مش منعها)
    3) سترات واقية من الرصاص!

    وليد البني يرد:
    يكتر خيرو هيغ؛ بس نحنا بدنا مضاضات للطائرات!

  2. يقول ramsey:

    لبناني من جريدة ذات “مذهبية موضوعية” يقدم تقويم “أميريكي موضوعي” “لعله يفتح عقول اللبنانيين على حقيقة ما يجري داخل سوريا، ويدفعهم الى وضع عواطفهم جانباً في اثناء التعاطي معها بحيث يجنبون بلادهم خطر الانخراط مع الثوار او مع النظام.”

    الكاتب القادم من بلد مذهبي يحذر الى ان الثورة السورية أفضت الى مذهبية فإبتعدوا أيها البنانيون! إنؤوا بأنفسكم أيها الثوار:

    http://www.annahar.com/article.php?t=makalat&p=8&d=24819

  3. يقول dodo:

    السلام عليكم انا من الشام وحاليا انا هون ب لبنان وب البقاع ..رحت ع الامم المتحدة وشؤون النازحين ب المرج الله يكتر خيركن في اخلاث وفي مسانده كبيرة وحابه اتطوع وساعدكن بخصوص السورين ممكن رد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s