كيف نقارب العلاقات الشعبية الفلسطينية السورية؟

رأي

[كتبت مسودة هذه المقالة قبل يوم واحد من انتفاضة مخيمي اليرموك وفلسطين في دمشق أمس!]

المعادلة الفلسطينية في سورية دقيقة. هناك قضية حرية وثورة شعب والشعب الفلسطيني في سورية ليس مفصولا عن قضايا الحرية. هناك شعب يعيش في سورية مثل السوريين وسط السجن الكبير. وهناك بعد عربي وطالما ارتبطت القضايا (بحلوها ومرها)، وهناك بعد انساني يشهده الشعبان، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وهناك نظام يتحدث كثيرا عن فلسطين وهناك تنظيمات فلسطينية موالية له.

مشاركة جزء من فلسطينيي سورية في الثورة يبدو امرا طبيعيا، خصوصا ان النظام دفع بهذه المشاركة عبر استهداف فلسطينيين يشاركون بالاغاثة او قصف مخيم الرمل او محاولة التلاعب بمسيرات ذكرى النكبة ثم النكسة. ودفع الناشطون الفلسطينيون أو مدنيون ثمن ذلك مثل الناشطين السوريين ومثل المدنيين السوريين.

هل هذه المشاركة تتدخل في الشأن السوري؟ وبماذا؟ وماذا يعني أصلا “تدخل بالشأن السوري” في ظل تقاطعات وتناقضات وضبابية الحدود؟ هل حق التظاهر السلمي للتعبير عن الرأي هو تدخل بشأن دولة أخرى؟ هل إغاثة جريح ينزف هي تدخل خارجي مسلح؟ هل إعلان موقف ضد المجزرة هو تدخل خارجي سافر بشؤون المجزرة الداخلية؟

ملامح تاريخية

كان أول بند في المؤتمر الفلسطيني الأول سنة 1919 هو ان فلسطين جزء لا يتجزأ من سورية. بالطبع، التاريخ ليس ثابتا وثمة تطورات واقعية كثيرة، لكن التاريخ مؤثر في الحاضر، ولكن ليس آليا. فذاك التاريخ هو امتداد بشكل ما لتاريخ طويل جمعهما في بلاد الشام (منذ البيزنطيين وحتى العثمانييين واول حكومة استقلال عنهم عرفت المنطقة اداريا كذلك).

بعد الانتداب والتقسيم، طالما شارك السوريون في ثورات الشعب الفلسطيني، منذ العشرينيات وفي ثورة 1936 ثم في جيش الانقاذ سنة 1948، وصولا الى منظمة التحرير ومعاركها بوجه اسرائيل،

العرب مشاركون في حرب 1948، شعبيا ورسميا، فيهم الصادقون والذين دفعوا حياتهم ثمنا لذلك ممن امنوا ان القضية الفلسطينية هي قضيتهم، وفيهم الحكومات التي تلاعبت بالقضية أو أنها كانت أضعف من الصهاينة.

والنكبة اصابت الفلسطينيين اولا لكنها أصابت المنطقة كلها وخصوصا الدول المحيطة بفلسطين، ولا تزال اثارها الكارثية نشهدها حتى الان حروبا او في تأثير تشكل اسرائيل في المجتمعات العربية وثقافتها وردود الفعل التي شكلت جزءا من وعي المجتمعات والطبقات السياسية. بل ان مطلق تسمية النكبة هو المفكر السوري قسطنطين زريق.

بالمحصلة، ثمة تقاطع شعبي عربي في حرب النكبة، وثمة مسؤوليات رسمية. قضية فلسطين هي للفلسطينيين ولكن لها بعدها العربي الأساسي، بل لها بعدها العالمي بسبب الطابع الدولي ومسؤوليات في إنشاء اسرائيل ودعمها حتى الان.

استمر هذا التشابك لدى ضياع بقية فلسطين سنة 1967، فمع استمرار البعد الشعبي خسر الفلسطينيون بقية ارضهم مع خسارة اراض عربية. وهو ما أعطى دفعا للوطنية الفلسطينية لتنظيم نفسها بعدما كان السائد، خطابا وفعلا، هو مسؤولية العرب عن فلسطين. لكن الوطنية الفلسطينية اصطدمت بأنظمة عربية بسبب تناقضات وجود أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مشتتا خصوصا في “بلدان الطوق” من جهة، وتعدّد الأولويات، ومصالح الأنظمة، وأخطاء المقاومة.

لكن في الحالة السورية تحديدا، حيث ليس هناك أزمة هوية سورية بمثل حال الأردن ولبنان، احتضن المجتمع السوري الفلسطينيين وكانت فلسطين جزءا أساسيا من قضاياه، بينما عمد النظام السوري إلى حصار الوطنية الفلسطينية المقاومة.

انعكاس التاريخ والمجتمع على الحاضر

إذا، هناك شعبان لكل منهما خصوصية تجربته وثمة تقاطعات كثيرة جدا في الوقت نفسه.

وبالمنطق البارد، الشعب الفلسطيني يشعر أن أمر هذا النظام يعنيه مباشرة، فقد حاربه كما حاربته إسرائيل، وبضراوة شديدة. وهو منع الفلسطينيين مثل السوريين من الحرية في سورية. عدا ذلك، هناك فلسطينيون يعيشون في سورية بلا تمييز اجتماعي، ومحيطهم سوري، ويشهدون الثورة السورية، وقد يتهمون بالأنانية إن اكتفوا بالتفرج على معاناة الشعب السوري.

وفي الوقت ذاته، يعيش كثير من الفلسطينيين ذاكرة التهجير الطويلة. ذاكرة الكويت والعراق لا تزال طازجة. وفسر البعض اعتقال النظام لسلامة كيلة ثم إبعاده عن سورية رسالة موجهة إلى الفلسطينيين أن النظام قد يقدم على تهجير الفلسطينيين في حال شاركوا بالثورة.

نحن أمام تطورات تختلف عن العشرينيات والثلاثينيات وما تلاها من مرحلة المدّ القومي. بات الآن للوطنيات دورها الأكبر، ولكن التقاطعات العربية لا تزال حاضرة (ومنها تأثير الثورات العربية واحدة بالأخرى). وعندما يأتي الموضوع لفلسطيين فإن درجة إضافية من التقاطع تكبر. وعندما يكون جزء من الفلسطينيين يعيشون في دول مثل سورية، فإن الدرجة تكبر أكثر. وجزء من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون اصلا في سورية، وفيها أكبر مخيم فلسطيني (اليرموك) هو امتداد لأحياء ثائرة الآن في دمشق (القدم والتضامن والميدان والحجر الأسود). ولا يمكن عزل الفلسطينيين عما يجري في سوريا، إلا نسبيا على ما يبدو.

نحن أمام درجات من التقاطع والتمايز في آن. من الواضح ان القصة دقيقة ومتشابكة، ولا يبدو انها يمكن التعامل معها على اساس مجتمعين متمايزين تماما او بين دولتين بحيث نطبق عليها، بكل سهولة، مفاهيم تدخل الدول في شؤون بعضها البعض.

بل أكثر من ذلك، جزء مما يجري في سورية هو “معركة كسب العقول والقلوب” من جانب كل الأطراف. النظام يستخدم اسم فلسطين لتبرير دعاية “الممانعة”، والثورة تنفي عنه صفة الوطنية وتتهمه بالتخاذل في الجولان وفي القضية الفلسطينية. فالفلسطيني مستدعى من كافة الأطراف.

وكان لافتا ما جرى على المستوى الثقافي. “رابطة الكتاب السوريين”، المنشقة عن اتحاد الكتاب، أصدرت بيانا نتاشد فيه الدعم من الشعوب العربية والشعب الفلسطيني تحديدا. فردّ نحو مئة مثقف فلسطيني بطلب انتساب جماعي الى الرابطة.

المشاعر الشعبية لفلسطيني سورية بأغلبها، خصوصا الشبابية، قريبة من ثورة الشعب السوري (مهما كانت درجة نشاطها من عدمه)، ومواقف التنظيمات الفلسطينية هي إما قريبة من النظام أو محايدة مع كراهيتها له.

وهناك تدخل مباشر من قبل قيادة جيش التحرير الفلسطينية الذي يشبه بيانات النظام السوري (بيانها الأخير تعليقا على مقتل 16 فلسطينيا في جيش التحرير) او فصائل فلسطينية في الشأن السوري (“القيادة العامة” خصوصا وياسر قشلق)، عدا اغتيالات لضباط في جيش التحرير اتهم النظام بارتكابها.

كيف تمكن مقاربة وتحليل العلاقة بين الفلسطينيين والسوريين؟ لا وجود لجواب سهل.

يشارك فلسطينيون  بالثورة انسانيا وطبيا واغاثة وتظاهرا وبكل شكل تقوم به الثورة، ومن مواقع ومواقف متعددة، ولكن بلا فرض رؤى على الشعب السوري وإن كان لكل رأيه ونشاطه (فهو مؤثر بطريقة ما). فلم نسمع عن طرف فلسطيني مشارك بالثورة يعلن آراء واضحة في خلافات المعارضة السورية. على الأرجح هذا هو شكل المشاركة الفلسطينية في الثورة السورية.

ما يبدو استقراء للعلاقة التاريخية وللوقائع الحالية هو أنه ستستمر مشاركة الفلسطينيين في الثورة السورية بوتيرة ما، ومشاركة تنظيمات معزولة كالقيادة العامة في دعم النظام، ومحاولة النظام إحداث شرخ من جهة والتهديد من جهة أخرى، مثلما هو متهم من قبل أطراف سورية وفلسطينية. غير ان هذه الوتيرة قد لا تكون ساخنة باستمرار سواء عبر المشاركة الفلسطينيية في الثورة، أو في قمع تنظيمات للمشاركين من الفلسطينيين او السوريين.

لكن السخونة بدأت. وابتدأت مع قصف مخيمين فلسطينيين بشكل مكثف عدا ما تعرضت له مخيمات أخرى من قصف، فقد قصفت البارجات مخيم الرمل وهجر نصف سكانه ولا يزال مخيم درعا يتعرض للقصف منذ نحو أسبوعين. فإذا درجة السخونة مرشحة للتوسع.

هذا بالمنطق وبالاستقراء، لكن المفاجأت واردة.

إن حاولنا الإجابة عل السؤال علينا ألا نغفل الواقع ونسقط عليه أمنيات محضة، أو أن نحاول تجميل الحقائق. هذا هو الواقع المتشابك، وهناك آراء وأمنيات، ويظل السؤال مفتوحا.

هذا المنشور نشر في Palestine | فلسطين, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على كيف نقارب العلاقات الشعبية الفلسطينية السورية؟

  1. يقول geo:

    السوريين شاركوا بثورات الفلسطينيين لانو الارض وحدة
    بس اللي بيصير بسوريا اجرام منو ثورة ابدا
    لم تجبر السلطة احدا من الفلسطينيين على موالاتها ولكن ان كانوا ضدها وهازا تدخل في شؤون سوريا
    عندها الارهابي الفلسطيني لن يكون حاله افضل من الارهابي ابن البلد

  2. يقول ramsey:

    فلسطيني يعرّف نفسه بأنه “كاتب سوري”، وينتقد المعارضة السورية. أنه سلامة كيلة يكتب عن الخطاب السياسي للمعارضة السورية:

    عن الخطاب السياسي للمعارضة السوريةسلامة كيلة
    الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٢لكل ثورة خطابها السياسي، ولقد حاولت الثورة السورية أن تنتج خطابها، رغم طابعها العفوي واعتمادها على شباب كان الاستبداد الطويل قد فرض عليهم «الخواء الفكري» بعد أن أصبحت «خطابات الرئيس» هي الفلسفة والتاريخ والسياسة وكل فروع العلم.

    من يتابع خطاب المعارضة على الإعلام يلحظ أنه يتخذ سياقات ثلاثة: الشتم وتقريع السلطة و «كشف» جرائمها، الندب على الشهداء، واستجداء العالم من أجل التدخل لـ «وقف المجزرة».

    لقد أصبحت الثورة السورية مجزرة، وباتت الإدانة ضرورية للسلطة التي تمارسها، وبالتالي تجب استثارة «النخوة» العالمية من أجل التدخل لوقفها. كيف يمكن أن تتحوّل ثورة إلى مجزرة، ويصبح الندب هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عنها، ويكون تحليل اسبابها هو التركيز على «فواحش» السلطة من دون أي مسٍّ للواقع الذي فرض حدوثها؟ ثم يجري بعدها الانطلاق من الإقرار بالعجز الذاتي، بما يفرض بالتالي دعوة العالم للتدخل.

    كل ذلك يؤشر إلى غياب الخطاب السياسي، ويوضّح أن هذه المعارضة لا تمتلك تحليلاً للواقع السوري، ولطبيعة الثورة، وتلتمس مشكلات عاشتها وتعيشها من أجل الوصول إلى انتصارها، أضف إلى ذلك تحكُّم سطحية مذهلة في الفهم، جعل الأمر يتعلق بتبيان استبدادية السلطة وقمعها فقط، دون تلمس التكوين الذي أوجدته في الواقع، وجعل كتلاً أساسية تعيش تحت خط الفقر. لقد رأت السلطةَ وممارساتها القمعية ضد العمل السياسي، لكنها لم تلحظ آثار النهب الذي مورس وفَرَض تمركزَ الثروة بيد أقلية عائلية حاكمة، وبالتالي إفقار كل هذه الكتلة البشرية وتهميشها. ومن هنا، فقد فشلت في تلمس ظروفها، ومن ثم فشلت في توقّع إمكانية ثورتها، حيث ألقت عليها كل الأحكام السيئة، من الخضوع والخنوع، إلى قدرة البعث على فبركة وعيها وإخضاعها، إلى جهلها وما إلى ذلك.

    ولهذا مازالت لا ترى إلا السلطة وممارساتها، ولهذا السبب تكرِّر كل الكلام الذي يقال منذ عقود حول الاستبداد والحاجة إلى الديموقراطية، دون تلمّس مطالب الطبقات الشعبية التي انتفضت، وفهم مقدرتها وقدرتها، وبالتالي العمل -كما يفعل كل حزب حقيقي في وضع ثوري- على تنظيم نشاطها وبلورة برامجها، وتحديد السياسات والتكتيكات الضرورية لتوسع الثورة وتطورها، وصولاً إلى كيفية انتصارها، وتحقيق ذلك عبر العمل مع الشعب المنتفض وليس في الهواء الإعلامي.

    الثورة تحتاج إلى خطاب قوة وعنفوان وليس إلى خطاب ندب، إلى خطاب فهم وتفهيم السياسات الضرورية لتطورها ولمس كل التفاصيل اليومية التي تتعلق بالنشاط على الأرض، وليس إلى خطاب ردح واستجداء، خطاب يوضح المطالب والشعارات التي تساهم في توسع الثورة عبر كسب المترددين وشل المؤيدين. ولقد كان همّ السلطة طيلة الفترة الماضية يتركز على إبقاء المترددين مترددين لكي لا ينضموا إلى الثورة، وتركّز خطابها الإعلامي على ذلك، ومع الأسف كان ناجحاً. أما خطاب المعارضة (وهنا يمكن القول إنني أقصد معارضة الخارج خصوصاً، او القوى الأساسية فيها)، فقد أفضى إلى نتيجتين، الأولى دفع قطاعات مجتمعية إلى الالتصاق بالسلطة، والثانية إبقاء تردد المترددين. ولقد تحقق ذلك عبر تركيزها على التدخل الخارجي الذي كان يخيف قطاعات مجتمعية مهمة، و «النفس الأصولي» الذي كان يخيف الأقليات الدينية وقطاعات من العلمانيين، في وضع كان لانضمام هؤلاء أهمية كبيرة في تسريع انتصار الثورة، نتيجة المواقع المفصلية لأفراد من بعضها (وهنا العلويون)، وبالتالي تسريع إضعاف السلطة وتفكيكها.

    ما يبدو هو ان المعارضة ظلت «خارجية»، ليس بالمعنى المكاني فقط بل بمعنى فهم الثورة ومسك بنيتها وصوغ الخطاب الذي يعبّر عنها، فلا الندب يفيد، حيث باتت السلطة مكشوفة إلى أبعد حدّ حينما يقرر الشعب إسقاطها، من ثم لا حاجة لمزيد من مراكمة «الكشف» و «الفضح» لتاريخها وممارساتها، خصوصاً بعد أن اصبحت تشاهَد بالعيان، ولا رثاء الشهداء بصفتهم قتلى يفيد، بعد أن اصبحوا أبطالاً، وبات من الضروري توضيح جرأتهم وقوتهم. وليس المطلوب أن تُستغل الثورة من أجل مطلب «سخيف» يتعلق بالتدخل «العسكري من أجل الوصول إلى السلطة بغض النظر عن انعكاس هذا التدخل على الثورة، وعلى سورية ككل.

    لقد توسعت الثورة من دون فعل «سياسي»، وشملت سورية كلها من دون تأثير المعارضة، اللهم سوى التأثير السلبي الذي كان يؤخّر توسعها نتيجة تخويف فئات اجتماعية كان يجب ان تنخرط سريعاً فيها. هي تفكِّك السلطة بقوتها وليس بفعل سياسي، وينشا فيها شباب يمتلك المقدرة على القيادة من دون الحاجة إلى أحزاب تعيش في «عالم آخر».

    بالنسبة لهذه المعارضة، يمكن أن أكون تحدثت «سانسكريتي»، فمن لم يدرس الكيمياء لا يستطيع فهم معادلاتها. أقصد من لم يفكّر في الثورات، وكيف تحدث وما هو دور الفعل السياسي فيها، لن يفهم ما أقول.

    * كاتب سوري

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s