حوار سوري ساخن في بيروت عن الثورة يظهر تقاطعات كثيرة في المواقف

بشأن سورية وثورتها شهد مسرح “دوار شمس” في بيروت أمس الأربعاء حوارا عاما مهما أظهر تقاطعات مختلفة برغم الاختلافات وحدّتها.

كان حوارا جديا ين ممثلين عن “هيئة التنسيق الوطنية” السورية (مسؤول العلاقات الخارجية في الهيئة عبد العزيز الخير وشهادة ميدانية للناشطة المدنية أمل نصر) وحضور سوري ولبناني، والمهم انه غابت عن لغة الحوار التخوين مع ان الحوار حافظ على منسوب عال من النقدية.

الأسئلة السورية للحضور كانت ساخنة، ومنها بما معناه: لماذا حزب العمال الكردستاني دخل في هيئتكم بينما هو يشبح ويسهل التشبيح في مناطقه؟ لماذا ليس هناك ادانة للموقف الروسي او لتسليح النظام من قبل روسيا؟ من ينزل للتظاهر لا يعرف ان كان سيعيش او يموت في لحظتها وانتم تخيفوننا بالمستقبل وسيناريوهاته؟ كيف تحمي المتظاهرين اذا لم يستخدم الثوار السلاح؟ تتحدثون عن الحل السياسي الذي جربه الشعب طويلا، ما هو هذا الحل السياسي السلمي الذين تتحدثون عنه تحديدا وكيف سيوقف النظام عن القتل؟ تتحدث المداخِلة ان هذه الثورة فيها طرفان فقط: طائفة الشعب وطائفة النظام، وانه لا وجود لطائفيين مثلا، بينما في الواقع هي ثورة شعب بكل ما تحمله مكونات الشعب من اختلاف، فيها العلمانيين وفيها الطائفيين، فيها السلميين وفيها المسلحين، فيها هتيفة ملاعب كرة القدم وفيها زعران. هذا هو الشعب السوري وهذه هي ثورة الشعب كله، فلماذا تقديمها كما يحلو لكِ؟

جاءت أجوبة عبد العزيز الخير على الشكل التالي (بما معناه): “نحن ندعو للعودة إلى سلمية الثورة، ففيها تفوق الشعب أخلاقيا وفيها مشاركة أكبر. نحن نعلم أن النظام أراد تقديم صورة مسلحة عن الثورة السلمية منذ البداية، وكان هناك عناصر من أجهزة الأمن والاستخبارات هم من يبيعون الأسلحة للثورا في درعا منذ البداية، وكانوا يريدون جرّ الثورة إلى التسلح، ونجحوا في ذلك. فالنظام يريد جرّ الثورة إلى ملعبه الأقوى، أي السلاح [وعدد أسلحة الجيش السوري النظامي بآلاف المدافع ومئات طيارات الصف الأول عدا الصف الثاني وآلاف الدبابات و 450 ألف جندي عدا أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيميائية]. ولا تزال ماكينة النظام الأمنية والعسكرية متماسكة حتى الآن، فلماذا نذهب إلى ملعب النظام القوي؟ أما سؤال كيف نغير النظام سلميا، فهو سؤال صعب مثل سؤال كيف نغيره بالسلاح. نحن أمام أسلحة صعبة ومعقدة، وليس هناك أجوبة سهلة. لكننا نقول ان السلمية هي أشمل وفيها تفوق أخلاقي أمام نظام يعتمد الفتل وتشويه الثورة كدعاية. الضغط الداخلي ومساندة عربية ودولية يمكنها أن تضغط على النظام. النظام يمكن أن يتراجع، ومثلا نقرأ انه وافق على هدنة في مدن ساخنة من القتال الآن. إذا يمكن الضغط عليه ويمكن أن يتوقف. والسلمية تحمي الدولة عند تغيير النظام”.

“هذا السؤال (كيف تغيير النظام) مطروح على العسكرة أيضا. حتى الآن لا نرى امكانية تغيير النظام بالسلاح والنظام لا يزال متماسكا وجيشه وقاوه الأمنية قوية. ثم أن السلاح غير قادر على حماية المتظاهرين. هذا غير صحيح. عندما يستخدم السلاح فانه يستجلب مزيدا من القصف والقتل. فهو اذا غير قادر على حماية المتظاهرين. نحن نقول ان السلاح في حماية الذات هو امر مشروع بكل المعايير، الانسانية والدولية وحتى الدينية. ولكنه يجب ان يكون لحماية الذات لا ان يُعتمد كاستراتيجية، ويجب ان ينحصر بجنود الجيش الشرفاء الذين رفضوا قتل مواطنيهم بهذا السلاح فانشقوا عن الجيش النظامي. يجب أن يظل هذا السلاح محصورا ويجب تنظيمه، فنحن لا نرى مجموعات للجيش السوري الحر بقيادة وتنسيق فيما بينها، فيجب ألا يحمل هذا السلاح المواطنون، بل ان تتسع الثورة السلمية بمشاركة المواطنيين سلميا، ويبقى السلاح محصورا بيد الجنود المنشقين الشرفاء والمنضبطين عسكريا. لننظر الى حمص، السلاح غير قادر على حماية المدينة، فها هو سلاح النظام يدمرها والقتل كبير وبات اغلب اهالي حمص نازحين عنها. اذاً السلاح لا يقدم حلا. وهذا عدا ما ستجلبه العسكرة من تسلح مجموعات تخطف وتقتل وتهدد مصير سورية وبالتعاون مع أطراف في الإقليم العربي”.

“نحن نريد إجبار النظام على التوقف عن العنف، بضغط داخلي وعربي ودولي. إذا أنا لا أرفض التدخل الخارجي، ولكن أرفض التدخل العسكري الخارجي. التدخل الخارجي قائم قبل الثورة، وهو لا يزال قائما، ويمكن أن نستفيد من ضغوط الدول العربية والعالم. وإذا نجحنا في ذلك، فإن ضغط الناس سيتزايد في الميادين والإضرابات. هذا ما نراهن عليه وإن لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأمور”.

“أما بالنسبة إلى السلاح الروسي، فثمة اتفاقات بين الدول وهي شرعية وفق القانون الدولي. هناك سلاح روسي للتوازن الاستراتيجي مع إسرائيل مثلا. نحن ضد اي سلاح للقمع، وهذا ما تقوله روسيا”.

“بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني، فنحن نسمع مثلكم عن هذه الأنباء، والحزب الكردي ينفيها، ونحن غير متأكدين منها. لا نعرف إن كانت صحيحة أم خاطئة”.

في هذه النقطة الأخيرة تحديدا، بدأ الحضور تقديم شهادات من مناطق سورية مختلفة عن مشاركة حزب العمال الكردستاني بأعمال تشبيح. عندها قال الخير انه يثق بالشهادات الميدانية، وانهم عليهم التأكد من أي خبر لأن هناك أخبار وشائعات كثيرة. وقد أصاب هذا الأمر الحضور بالاستياء فعلت اصوات وشهادات من الحضور قاطعت الحوار، واستاء البعض من قول ان طرف سياسي لا يعرف على اليقين حقيقة ما يجري على الارض بخصوص حليف له.

كما ان موضوع السلاح الروسي اثار سؤالا جديدا استخدام النظام لبعض هذه الاسلحة في القمع كما وثقته منظمات حقوقية.

اللافت انه لم تكن هناك اسئلة عن جهود توسيع وحدة فئات المعارضة وما آلت إليه خصوصا بعد مؤتمر القاهرة وما يشهده من انتكاسة في تراجع الاطراف عما تمكنوا من الاتفاق عليه على قلته (توقيع الوثيقة ولجنة اتصالات شبابية)، كما يتناقل ذلك متابعون لشؤون المعارضة، وكأنه موضوع ليس ذي اهمية بالنسبة الى الحضور او ان الحوار لم يتسع له، وهو ما يعكس مدى ضعف تنسيق بين اطراف المعارضة خصوصا في وقت يتعرض فيه الشعب السوري الثائر إلى قتل رهيب. هذا الجانب عكسه حوار جانبي بين امرأة (من المجلس الوطني السوري لم تعرف عن نفسها كذلك) عما ستفعله “هيئة التنسيق” أمام ما يتعرض الشعب السوري، فاجابها شخص من الحضور مقرب من هيئة التنسيق: سنفعل مثل ما تفعلونه، ماذا تفعلون انتم؟

لكن من جهة أخرى، من الواضح انه بعد 16 شهرا من الثورة السورية باتت الأطراف المعارضة السورية المتباعدة تقترب قليلا في رؤاها.

فمن جهة، الأطراف التي رفضت بحزم في البدايات وحتى وقت طويل أي عنف في الثورة فإنها تقترب الآن من حقيقة ان جزءا اساسيا من الثورة بات مسلحا فعليا في وجه نظام دموي للغاية هو السبب الأول للعسكرة، فتناقش الآن هذه الأطراف ذلك وتأثيره وتنظيمه ولم تعد ترفضه قطعيا كما في السابق.

من جهة ثانية، فإن أطرافا كانت تنادي بتدخل عسكري خارجي، ولا تزال، باتت الآن أمام واقع رفض متكرر وطويل لدول نافذة بالتدخل عسكريا، وهي ترى انجازات حققها الثوار في الداخل (مثل “مناطق عازلة” والصمود في مناطق كثيرة وكثرة الانشقاقات في جيش النظام) وترى ايضا امتداد الثورة بأشكالها السلمية (التظاهر والاضراب وغيرها من الاشكال) الى مناطق اساسية مثل دمشق وحلب والسويداء والحسكة ودير الزور، وباتت تعم أغلبية المناطق السورية، وأنها تتسع وإن بصعوبة وتحت ثقل مجازر وقتل وتعذيب.

إذا ما أردنا تلخيص النقاط المشتركة، كما جاءت في الحوار، فالأطراف المختلفة تتفق الآن على ضرورة الإسراع بإسقاط النظام لما يحمله ذلك من تقليل عدد الضحايا والدمار، وتتفق على أن هذا النظام دموي للغاية ولا بدّ له من الرحيل (على الأقل يتفقون على رحيل العائلة الحاكمة أولا وإن لا تقول أطراف ذلك صراحة حتى الآن)، وتتفق على ضرورة تزاوج الأشكال المختلفة للثورة (السلمية والعسكرية)، وتتخوف- وإن بدرجات متفاوتة- من مخاطر كامنة في الثورة (كالطائفية مثلا أو تمزيق النظام للمجتمع)، وتتفق على ضرورة وجود درجة من التدخل الخارجي يسند الثورة داخليا.

الأطراف المختلفة تتفق على أساسيات، وتعلم تماما أن النظام يستفيد تاريخيا ويعمل بجهد على تفريق المعارضة وتفريق الشعب عن بعضه البعض، وهو ما يطيل بأمده.

أمام هذه الوقائع التي يفرضها الثوار السوريون، بأشكالهم المختلفة، فإنهم يفرضون على أطياف المعارضة المختلفة أن يكونوا على قدر أكبر من المسؤولية، والتنسيق الذي لا يمنع الاختلاف ولكن بلا تخوين؛ وبلا تكبير خلافات الماضي إلى درجة القطيعة واستسهال تكرار الاتهامات بدلا من محاولة تجاوزها. فجميع هذه الأطراف يتعرض ناشطون فيها للقتل والسجن والتعذيب والتهجير والنفي. وأطياف المعارضة كثيرة، فعدا المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية، فهناك لجان التنسيق المحلية والهيئة العامة للثورة والمنبر الديموقراطي وتيار بناء الدولة المدنية والتجمعات المدنية مثل نبض وغيرها، إضافة إلى مجموعات الجيش السوري الحر والثوار العسكريين. ومهما اختلفت هذه الأطراف عن بعضها، وفي الاختلاف أمر ضروري وصحي، فإنها أقرب إلى بعضها من قرب أي طرف فيها إلى روسيا أو الولايات المتحدة أو حزب العمال الكردستاني أو غيرها من الأطراف التي تتعامل بمصالح باردة وهي ترى الشعب السوري الثائر يتعرض للمجزرة اليومية.

ومثلما غاب عن إدارة الحوار أمس الصحافي نصري الصايغ، وهو الذي ماهى تكرارا في مقالاته الأخيرة بين النظام والثورة، وطالما امتدح النظام السوري تاريخيا، فإن الحوار السوري العام يلزمه من لا يصبون الزيت على النار ومن يبنون الثقة. فقد كان اقتراح هذا الصحافي لادارة الحوار أول مأخذ على الحوار، لكنه لحسن الحظ جرى تداركه.

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s