الشعب السوري يقلّع الديكتاتورية بلا ردّاحي “الناتو”

هذه الأيام نشعر باقتراب نهاية النظام في سورية أكثر من أي وقت سابق. المناطق السورية المحررة باتت هي الأغلب، دمشق وحلب باتتا في وسط الثورة، والثورة تمتد مناطقيا، وانشقاقات رفيعة تتزايد، والشعب السوري مستمر بثورته بكافة أشكالها، رغم مخاطر كثيرة تحيط بالثورة. على الأقل، وضع الشعب السوري طريق إزاحة الديكتاتور بنفسه أساسا وإن يلزمه الدعم من نظام يتلقى دعما عسكريا وماليا وسياسيا من دول إقليمية وفي العالم.

كثيرون تمنوا لو أن برهان غليون قام يزيارته إلى داخل سورية حينما كان رئيسا للمجلس الوطني السوري. علق احدهم: كان مشغولا بمراضاة هذا وذاك والتنقل بين ابتزاز هذا وذاك من الدول والسياسيين وربما طموح سياسي. هكذا كانت “السياسة” لفترة طويلة.

بالنهاية، الانشغال بمعطيات الثورة نفسها هو تعبير عن الذهاب الى الأساس، إلى الداخل السوري، إلى الشعب الثائر، وليس إلى بروباغاندا شعبوية ابتزت كثيرين بمن فيهم سياسيين سوريين أكثر اتزانا.

كانت حملة شعبوية بدأتها وسائل إعلام خليجية (اوساط نافذة في صحيفة “الحياة” وقناتي الجزيرة والعربية مثلا)، وأوساط “تكنوقراطية نيوليبرالية” تعيش في الدول الغربية مع بعض الإسلاميين، كما صار معروفا من أروقة داخلية. وروجت وسائل الإعلام هذه للناتو وغيره طويلا، وبثت دعايات اليأس من الشعوب لتغيير مصائرها بنفسها مقابل استجداء هذه الأصوات للمحتل التدخل وهي التي أبدت كل دعمها للاحتلال الأميركي للعراق- وحتى الآن بكل وقاحة! قامت بذلك منذ بدايات الثورة ثم رسمت مناطق عازلة على شاشات التلفزيون! وقصفونا ببروباعاندا “الناتو” وغيره. بدورهما، الناتو واميركا كانا يتفرجان من بعيد، يؤكدان مرة تلو الاخرى، وبشكل علني وفي الاتصالات، انهما لا يريدان التدخل عسكريا في سوريا، بل انهما ضد العسكرة. ورغم ذلك استمرت البروباغاندا لا تكل. كانت شعبوية رخيصة خارج السياسة والامكانيات، وجرى الترويج لها بفعالية عبر إعلام نافذ على مستوى المنطقة يقف ضد النظام السوري لكنه يحاول توجيه الثورة كما يحلو للانظمة في صراع محاور وطائفية.

لا يقع اللوم على متظاهر يتعرض للمجزرة ويريد التخلص من النظام  بأي طريقة بلحظتها وسط فورة الدماء. يقع اللوم على الأنظمة والسياسيين وإعلامهم ومن استسهل اللعب معهم بالأساس. الشعب السوري يقلّع الديكتاتورية بيده، بكل صعوبة وبتضحية فظيعة وسط الة قتل مجنونة، ولم يمدوه حتى بالسلاح الخفيف والمتوسط (إلا من شهر كما تشهد أغلبية التحقيقات والأخبار)، وبغض النظر عن كل الآراء والجدل الضروري في الثورة فهذا توصيف للواقع. كنا نقرأ تحقيقات صحافيين أجانب متتالية عن سلاح خفيف تحضره مجموعات الجيش السوري الحر بنفسها، وكثير منها غير صالح. كنا نسمع شهادات وصيحات المقاتلين عن السلاح الخفيف أمام آلة قتل النظام. وكنا يوميا نرى التظاهرات السلمية لا تكل ولا تهدأ بل تتوسع مدينة تلو الأخرى رغم ازدياد حدّة قمع النظام ومجازره. لكن مع ذلك، كان خصوم الثورة يستسهلون التقليل من وطنية الشعب السوري.. فيما اقتصرت مهمة ردّاحي الناتو الردح على وسائل الإعلام الخليجية.

لقد علقت الثورة السورية طويلا بين كماشة رهيبة: بين الممانعين من جهة وبين ردّاحي الناتو من جهة أخرى، بينما كانت تصارع نظاما من أعتى الأنظمة قمعا! لقد استفاد النظام السوري من دعم ممانعيه واستفاد أيضا من دعاية السذّج ردّاحي الناتو، من دون أن ننسى ان الثورة بحاجة إلى توسيع مشاركة فئات الشعب السوري المتنوعة وقد كان يستفيد النظام من دعاية اتهام الثورة باللاوطنية. نعم، لقد أفاد ردّاحو الناتو النظام السوري، وعلى الفاضي! أي من دون تدخل للناتو. سيرون مهزلة كبرى إن نظروا إلى المرآة.

من بين ما يستفيد منه الشعب السوري هو تغيير سياسات دول لتفرض العزلة على النظام، كي لا تمده بالسلاح ولا بالمال ولا بالدعم السياسي، لأن جزءا من جبروته يستمده من هنا. يستفيد الثوّار من تسهيل إدخال كل ما يلزم الثورة لا فرض حصار ورقابة في “دول الطوق” حتى على اللاجئين السوريين ومراقبتهم وحصرهم. يستفيد من تغطية إعلامية امينة ومهنية لمكونات الثورة المختلفة، لا التركيز على جوانب فيها دون غيرها من جهة، او إخفاء الثورة تحت أخبار التصريحات الاقليمية والدولية من جهة أخرى (الإعلام الخليجي كما الإعلام الممانع) أو تهميش مبادرات كثيرة لا تعجبه في الثورة. يستفيد الشعب السوري من الدعم من الشعوب العربية والعالمية وإرسال كل التضامن إلى الشعب السوري والضغط على دولها لتغير مواقفها لدعم ثورة شعب وطنية وإنسانية. يستفيد من تحرك منظمات الأمم المتحدة لإحالة النظام إلى محكمة لاهاي مثلا (إذا لم يحاكمه الشعب بنفسه)، وبالتالي إشعار من يدورون بحلقة النظام إلى أنهم في خطر وعليهم تركه يغرق وحيدا، فيجري الإعلاء من شأن اللغة الإنسانية دوليا، وإحراج خوم الثورة داخليا وخارجيا، لا احتراف لغة المصالح فقط وهم يتجاهلون منظمات الأمم المتحدة الإنسانية وهذا الطريق علما أن مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة ولجنة التحقيق الأممية دفعت بهذا الاتجاه دون مجيب. ما يستفيد منه الشعب السوري الثائر الكثير، قامت دول بالبعض منه تماشيا لمصالحها، وطبعا تأثرت برأي عام لدى شعوبها مناهض للنظام السوري، لكن الدول ظلّت تصرّح بصوت عال وهي تتفرج بدم بارد لفترة طويلة، وتقايض مصالح وتقلبها، وتترك إعلامها يقصف الشعب السوري بكل ما يحلو لها من خزعبلات.

يمكن القول بثقة أكبر اليوم، بعدماا رأينا الوقائع، إن لبعض هذه الدول مصالح بجعل سورية تنزف لوقت طويل لتتسع جراحها وتضعف كل سورية. صار واضحا بقدر أكبر أن الولايات المتحدة لو أرادت فعلا دعم الشعب السوري الثائر منذ وقت طويل لفعلت ذلك ومن دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر. كان يمكن توفير ضوء أخضر وغطاء سياسي لحلفائها في تركيا أو رشوة حاكم الأردن مثلا (هو معتاد على ذلك) لتمرير أسلحة إلى ثوار سورية، لكنها أصرت على عدم فعل ذلك، إلا بعدما باتت تتأكد منذ وقت قريب من أن النظام ساقط لا محالة، فتحاول الآن بدء مثل هذه المبادرات مثلما فعلت مع حليفها حسني مبارك الذي تركته بعدما تأكدت أنه ساقط.

ظلّت الولايات المتحدة تشترط وجود “قيادة” سورية معارضة، أي تستطيع أن تعطيها “ضمانات”. بدايات تشكل المجلس الوطني السوري بالمحاولات البائسة التي سبقت تشكله، وبعض من ساهموا بذلك هم مقربون من الولايات المتحدة تشهد على ذلك تصريحات علنية لهم ان الولايات المتحدة هي نصيرة الحرية في العالم. وبحسب متصلين بقيادات نزيهة من المجلس الوطني السوري، فقد سألت الولايات المتحدة هذه القيادات عن ضمانات لإسرائيل، في بدايات تشكل المجلس الوطني السوري، فأجابتها القيادة في المجلس حينها: نحن نريد ضمانات من إسرائيل، فهي من يحتل الجولان. لا نقول إن الضمانات لإسرائيل هي فقط المطلوبة من قبل الولايات المتحدة، فصورية لها اعتبارات متعددة، لكنها مثال على ما أرادته الولايات المتحدة.

وبقيت الولايات المتحدة غير راضية عن “أداء المعارضة”، فهي التي تدعم أعتى الديكتاتوريات وأكثر الشخصيات فسادا في العالم كانت تتأفف من المجلس الوطني السوري لأنه بدا واضحا أنه لم يعطها الضمانات المطلوبة ورفض أن يكون في جيبها، عدا اعتبارات أخرى لأميركا وأولها إضعاف سورية ككل.

هذا الحديث منفصل بالطبع عن النقد السوري الداخلي للمجلس الوطني السوري والمعارضة السورية الذي قام به الشعب السوري لعدم رؤية فعالية من بعض المعارضة السياسية في دعم الثورة، وهو ما أقرت به قيادات معارضة سورية بدأت تستدرك ذلك مؤخرا.

لقد اختبأت الولايات المتحدة وشركاء لها بنقد من الداخل للمعارضة السورية من جهة وبالفيتو الروسي- الصيني (وكما صرح مسؤول العلاقات الخارجية في مجلس الدوما الروسي) من جهة أخرى لعدم القيام بخطوات حاسمة لإضعاف نظام الأسد. أمراء الخليج عندهم موقف مختلف عن أميركا، لكنهم يعولون ليس إلا على من يعولون عليه دائما: الولايات المتحدة. من هنا اقتنص ردّاحو الناتو وقاحتهم وسذاجتهم السياسية. استفادوا مما جرى في ليبيا لييرروا وقاحتهم وقلة مسؤوليتهم أمام الشعب السوري الثائر، الذي يحتاج إلى من يضيء له شمعة بأقل تقدير لا من أن يستغل محنته ليمرر أفكاره المتماشية مع مصالح الدول الغربية والخليجية، وهو مشروع ردّاحي الناتو الأول المنتشرين في مواقع الأنظمة الخليجية السياسية والإعلامية.

الثورة السورية تضع البوصلة الصحيحة وهي تقترب يوما بعد يوم من حسم الثورة والخلاص من هذا النظام المستبد الدموي: هنا حمص وحلب وحماة ودرعا والشام وإدلب ودير الزور والحسكة واللاذقية!

لقد حدث سوء فهم يمكننا الآن الحديث عنه براحة أكبر ونحن نرى الثورة تستمد زخما أوسع وتحدّد المطلوب، وذلك بعدما اعتقد ردّاحو الناتو أنه يمكننا أن نفرح برؤية الطائرات الفرنسية والأميركية تقصف سورية، أو أنه يمكن أن نفرح ونحن نرى سورية تصبح مثلا ساحة لصراعات إقليمية ودولية مثلما تخندق ردّاحو الناتو طويلا في الدفاع عن طرف ما في بلدانهم التي حولها صراع الأطراف إلى ساحات.

هذا المنشور نشر في Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على الشعب السوري يقلّع الديكتاتورية بلا ردّاحي “الناتو”

  1. يقول hudu2nisbi:

    the facebook page “Helping Syrian Refugees in Jordan” has just been created.

  2. يقول hudu2nisbi:

    having read this article, i think that you could still write better. “intervention when there is imminent threat against a group of people” is legalised in International laws. (specialists call this achievement “a revolution in the world of law). you could have daved your energy and efforts for referring to what that law says instead of reacting to gossip you hear in cafes here and there or even in gulf media.

    since there has been a growing awareness and anger over gulf states policies and their media — since the fall of the eastern /communist/ bloc — it should be about time to develop strategies to counter them. it’s not enough blogging

    back to the issue of intervention to protect people from genocide: should you get it, you should also know how to protect homeland from falling a hostage into the hand of those who help you.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s