بحثا عمّا يجري في مخيم نهر البارد بين روايات شهود وروايات الإعلام: “ميدان تحرير” في المخيم مقابل تغطية أمنية للإعلام

من عرس الشهيد في مخيم نهر البارد أمس الاثنين 18 حزيران 2012

بين مقتل شابين فلسطينيين يوم الجمعة والاثنين الماضيين برصاص الجيش اللبناني، عاش مخيم نهر البارد “ميدان تحرير” لـ 3 أيام. هذه معلومة، على أهميتها، لا تجدها في تغطية أي من الإعلام اللبناني! يجعلنا ذلك نحاول البحث عن رواية فعلية لما جرى ووضعها مقابل روايات الإعلام اللبناني.

بينما اكتفى الإعلام اللبناني يوم السبت الماضي، بعد يوم من حادثة قتل أحمد قاسم (16 عاما)، بنقل وجهات النظر الرسمية اللبنانية خصوصا التي يحرص الجيش على تلقينها للإعلام، تمكن موقع “نهر البارد” الإلكتروني من بث لقاءات مع المعنيين مباشرة بالأحداث (*) : سائق الدراجة النارية، وشقيق القتيل أحمد قاسم، وبث لقطات من تظاهرات الشباب الفلسطينيين.

بحسب موقع “نهر البارد”، أظهر سائق الدراجة هويته وورقة ثبوتية في الفيديو، فكذب بذلك رواية الجيش اللبناني التي نقلها بعض (*) الإعلام. وصرخ “ماذا يريدون منا؟… أخذوا  كل شيء! أخذوا دمنا…”. وبدا من حديث الشاب خلفية ما يجري في نهر البارد منذ خمس سنوات، وقد غابت هذه الخلفية أيضا عن تغطية الإعلام اللبناني بكافة أطيافه بعد يوم من الحادث.

ماذا كانت روايات الإعلام اللبناني بعد يوم من قتل أحمد قاسم، وخصوصا روايات الصحف الأكثر رصانة عادة من إثارة التلفزيونات؟ في الجانب الأول المتعلق بنقل الخبر مهنيا، لم تشر صحيفة “الأخبار” يوم السبت إلى الحادثة لا من قريب ولا من بعيد! والحق يقال وبغض النظر عن ميول “الأخبار” السياسية فإنها كانت الأكثر جرأة عادة في تغطية أخبار مخيم نهر البارد منذ سنوات فتعرضت لتهديدات سابقة جرّاء ذلك، فماذا نتوقع من بقية الإعلام اللبناني؟ جريدة “الحياة” كانت أيضا غائبة عن الحادث ولم تشر إليه. حاولت جريدة “السفير” الاقتراب بحذر شديد مما يجري، فكتبت في صفحة داخلية خبرا صغيرا تتحدث فيه عن حادثة الدراجة النارية للفلسطيني وسقوط قتبل وجرحى ذكرت فيه اسم القتيل احمد قاسم ولم تذكر جنسيته. جريدة “النهار” فبركت الخبر بابتعاد كبير عن أدنى حدود المهنية حيث أشارت، ومن دون ذكر مصدر معلوماتها (“مصدر عسكري” مثلا) إلى أن الجيش قام بتوقيف ثلاثة شبان فلسطينيين على حاجز للجيش عند مدخل المخيم “بلا أوراق ثبوتية” فهاجم شبان الحاجز “بضراوة”، مما “اضطر” الجيش إلى إطلاق الرصاص في الهواء فسقط قتيل، وقد علّق شخص في “الفيسبوك” على تغطية “النهار” قائلا: “قتل فلسطيني يطير في الهواء!”. كان واضحا أن جريدة “النهار” تدافع عن الجيش بغض النظر عن المهنية الإعلامية.

أما الجانب المتعلق بالخلفية، فإن أيّا من الصحف، باستثناء “النهار”، لم تشر إلى أي خلفية. بل أن تلفزيون “العربية” تحدث يوم الجمعة الماضية عن “إشكال فردي”. الغريب في الأمر، والذي يظهر كارثة التغطية الإعلامية اللبنانية، أن شمال لبنان يشهد منذ أسابيع أوضاعا حساسة كان من شراراتها ممارسات أمنية تمثلت بخطف موقوف من قبل الأمن العام وتصريح مدير الأمن العام بأنه من “القاعدة”! وتلاها قتل حاجز للجيش اللبناني شيخا لبنانيا على حاجز للجيش، الأمر الذي أشير إليه على أنه نتيجة افتعال أمني من جانب النظام السوري في شمال لبنان ردّا على احتضان شمال لبنان للنازحين السوريين واعتباره منطقة مؤيدة للثورة السورية، وحاولة الإيحاء بأن السلفيين يهاجمون النظام السوري بعد رسالة النظام السوري بهذا الشأن إلى الأمم المتحدة، الأمر الذي يعيد بدوره إلى ظهور “فتح الإسلام” في عامي 2006 و 2007 في نهر البارد حيث تمكن تنظيم أطلق سراح قائده، شاكر العبسي، من سجن سوري ليُستقبل فجأة في مخيم نهر البارد من جانب تنظيم “فتح الانتفاضة” الموالي للنظام السوري. كل هذا يفترض أن يدفع فضول الإعلام إلى اهتمام إعلامي فائق لما يجري في مخيم نهر البارد في شمال لبنان. لكن الإعلام، عندما تعلق الأمر بقصة مخيم نهر البارد، دخل في غيبوبة أو تحول إلى ناطق باسم الجيش.

كانت تلك خليفة افتراضية يمكنها أن تدفع الإعلام لتغطية تفصيلة للحدث. لكن الخلفية الفعلية لما يجري في نهر البارد فهي تتعلق بخلفية الممارسات القمعية والعنصرية في نهر البارد التي تجري منذ سنوات حيث تعيش منطقة سكنية فلسطينية حصارا عسكريا وعقابا جماعيا بسبب ظهور تنظيم “فتح الإسلام” الذي اشتبك معه أهالي المخيم أكثر من مرّة قبل حرب 2007، بينما صمت الجيش اللبناني عنه آنذاك قبل أن يقرر التنظيم مهاجمة الجيش على خلفية اشتباك جرى في مدينة طرابلس. بعد حرب نهر البارد، قام أفراد من الجيش اللبناني بسرقة بيوت سكان أهالي نهر البارد (فلسطينيين ولبنانيين) كما وثقته تقارير حقوقية ذات مصداقية وبحسب أفلام تظهر ذلك (*)، وقاموا بحرق البيوت، وعذبوا مثات الشباب الفلسطينيين في اعتقالات غير قانونية وهو ما وثقته منظمة “هيومان رايتس ووتش” أيضا (*)، وبعد قتل أكثر من 40 مدنيا فلسطينيا خلال القصف العشوائي للمخيم في العام 2007 خصوصا في الأيام الأولى من الحرب (وجرت الإشارة في الإعلام إلى ضحايا الجيش اللبناني فحسب)، فرض الجيش اللبناني بمباركة رسمية (حكومة 14 آذار آنذاك) حصارا شاملا على أهالي المخيم المدنيين. جرف ما يعرف بالمخيم القديم كاملا ومنع الناس الذين طالبوا بالعودة إليه، وأحيط “المخيم الجديد” في نهر البارد بالأسلاك الشائكة وحواجز الجيش، وفرضت تصاريح من قبل مخابرات الجيش على سكان المخيم ليدخلوا إلى مخيمهم، وجرت إعاقة إعادة إعمار المخيم.

ما يؤكد هذه الخلفية وشرارتها ما جرى منذ مقتل أحمد قاسم في المخيم فهي الهتافات والمطالب في مخيم البارد، والتي جرى توثيقها أيضا في فيديوهات موقع “نهر البارد” (*). وما يؤكدها أيضا هو هتافات الشباب ضد الفصائل الفلسطينية أيضا، ويؤكدها أيضا أن وفدا من مشايخ من عكار زار المخيم تضامنا، بحسب روايات مشاركين، فاستقبله الشباب من دون أن يعطوهم الميكروفون ليلقوا كلمة، مما يبعد تفسيرات تتعلق بافتعال الأحداث أمنيا، ويؤكد حرص الشباب المستقلين على استقلالية تحركهم في الأيام الثلاثة الماضية. وهنا ننتقل إلى روايات شهود لما جرى في البارد.

بعد قتل الجيش اللبناني لاحمد قاسم، قال مشارك في اعتصام “ميدان نهر البارد” أن الشباب الفلسطينيين نفذوا “ميدان تحرير” بالمخيم، بحسب وصفه، مرددين شعارات منها “الشعب يريد إسقاط التصاريح” (تصاريح مخابرات الجيش لاهالي المخيم ليدخلوا الى مخيمهم). 3 ايام كاملة سيطر فيها الشباب على المخيم من الداخل فيما تراجع الجيش الى حواجزه التي يحاصر بها المخيم منذ 5 سنوات. ردد الشباب شعارات منها “الشعب يريد اسقاط التصاريح” وهتفوا ضد الفصائل الفلسطينية، وامتد ذلك الى مخيم عين الحلوة حيث هتفوا ضد الفصائل: “هرّي هرّي هرّي ….”. ويمكن مراجعة الفيديوهات المختلفة على موقع “نهر البارد”(*). كل هذا لم يجد حيزه في الإعلام اللبناني المتواطئ مع الجيش والصامت عن دوره المهني وإن بدأ هذا الصمت يتخلل الآن.

هذه الخلفية الأولى الأساسية. أما الخلفية الأوسع فهي ظهور أجواء فلسطينية شبابية جديدة ضاقت ذرعا بالسلطات الحاكمة العربية والفلسطينية أيضا إلى جانب هدفها المتمثل بالتحرر الفلسطيني من إسرائيل. المبادرات الفلسطينية المستقلة، بتعاون أحيانا مع أجواء حيوية قليلة متبقية لدى الفصائل الفلسطينية، تعبر عنها تحركات فلسطينية مستقلة تتوالى كان من بينها الارهاصات الاولى لانتخابات مخيم شاتيلا في العام 2005 – وحركة المطالبة بالحقوق المدنية من مكان آخر في العام ذاته- وصولا إلى تشكيل هيئة إعادة إعمار مخيم نهر البارد العام 2008 التي عملت باتسقلالية جنبا إلى جنب التعاون مع الفصائل، واعتصامات أهالي مخيم نهر البارد في المخيم وطرابلس وبيروت العام 2010 لدى محاولة وقف إعمار المخيم، مرورا بنشاط أجواء شبابية فلسطينية في سورية دعما للثورة السورية (وسقط حتى الآن نحو 70 شهيدا فلسطينيا في سورية وأكثر من مئة معتقل وأنشئت تنسيقيات في مخيم اليرموك وغيرها)، وظهور أجواء “الشعب يريد إنهاء الانقسام” في فلسطين وخارجها سنة 2011 مع أجواء الثورات العربية، ثم تحركات ذكرى النكبة العام 2011 بتشجع من أجواء الثورات العربية وبعدما تمكن الشباب من تجاوز الأطر الفصائلية وأي استخدام رسمي عربي لها وهو ما عبّرت عنه انتفاضة مخيم اليرموك بدمشق في 6 حزيران 2011، مرورا بتحركات شباب مستقلين في مخيم عين الحلوة الأخيرة التي طالبت بوقف الاقتتال الفلسطيني، ثم إضراب الأسرى في السجون الإسرائيلية الذي بدأ بعفوية إضرابات فردية؛ جميعها يظهر أن أجواء فلسطينية شابة جديدة تظهر وتأخذ زخما أكبر، وإن لم تبدأ بعد بتنظيم نفسها بجدية، وهي المهمة التي من الواضح أنها تلّح بنفسها على الفلسطينيين شبابا وكبارا، وتطرح نفسها أيضا على التنظيمات الفلسطينية الأساسية في الكف عن لعبة الانقسام والتقاتل من أجل السلطة والتواطؤ مع الأنظمة العربية، مقابل تعاون الجميع.

منذ أن أعلن أهالي مخيم نهر البارد بعفوية في العام 2007 أن ما تعرضوا له هو “نكبة” مرورا إلى إصرار الفلسطينيون في لبنان وسورية والأردن وداخل فلسطين في أيار 2011 على أن موضوع النكبة هو المدخل الفلسطيني لإزالة اغتصاب فلسطين، وصولا إلى ما يجري الآن في نهر البارد، فإن هذه الأجواء الجديدة تقول بوضوح إن النكبة مستمرة وليست فقط في العام 1948 وهي الاستعمار الإسرائيلي لفلسطين وهي الأنظمة العربية في آن واحد!

هذا هو ما يجري في نهر البارد، وهذه هي خلفيته، لمن يريد أن يسمع من الإعلام والسياسيين..

(*) جميع الأمور المتعلقة بالتوثيق يمكن أن تجدها في موقع “نهر البارد”

http://albared.wordpress.com/

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Palestine | فلسطين. حفظ الرابط الثابت.

5 ردود على بحثا عمّا يجري في مخيم نهر البارد بين روايات شهود وروايات الإعلام: “ميدان تحرير” في المخيم مقابل تغطية أمنية للإعلام

  1. تنبيه: بحثا عمّا يجري في مخيم نهر البارد بين روايات شهود وروايات الإعلام: “ميدان تحرير” في المخيم مقابل تغطية أمنية للإعلام « Nahr el Bared – نهر ا

  2. تنبيه: بحثا عمّا يجري في مخيم نهر البارد بين روايات شهود وروايات الإعلام: “ميدان تحرير” في المخيم مقابل تغطية أمنية للإعلام « Nahr el Bared – نهر ا

  3. يقول hudu2nisbi:

    نهر البارد أو كيف تصنع «غيتو» وتبيّت لغماً
    نهلة الشهال

    اللبنانيون، المثقلون بقلق ما يجري في سوريا وتأثيراته المتعددة عليهم، والمسحوقون بأزماتهم المعيشية الكبرى، يبدون غير مكترثين لذلك الحادث في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين حيث وقع قتلى وجرحى بسبب إطلاق الجيش اللبناني النار على محتجين فلسطينيين. هذا الفعل يتكرر بصيغ مختلفة وعلى يد فاعلين مختلفين كل يوم في لبنان، فأين الغرابة؟ ثم، من المعروف أن المضطهَد والعاجز يستسيغ وجود من يفوقه ضعفاً لينكِّل به، فيشفي بتلك الطريقة المرَضية والمنحرفة أوجاعه هو نفسه. من لا يعرف قصة الرجل الفقير الذي يعود من العمل المضني (أو من التسكع البائس باعتبار نسب البطالة المرتفعة اليوم!) فيفش خلقه بضرب امرأته التي تضرب الصغار.لا يشعر اللبنانيون اليوم بالتعاطف مع الفلسطينيين في لبنان، وقد يتعاطفون معهم في فلسطين، وقد يتعاطفون مع «القضية». هذه ظاهرة معتادة متكررة في العالم كله، لم يخترعها اللبنانيون، وليسوا فيها مبدعين!
    ولكن، ورغم ذلك، فثمة ما يقال ـ ما يجب أن يقال ـ بشأن حادث نهر البارد. بداية في المباشر، وهو الأسهل: لا يُعقل أن يتمرجل الجيش اللبناني على صبيين يقودان دراجة نارية بلا ترخيص داخل أزقة المخيم، فيعتقد أن عليه توقيفهما. ويقال في رواية أولى إن اطلاق النار عليهما تم لعدم امتثالهما لأمر التوقف مما أردى أحدهما قتيلاً، ويقال في رواية إضافية إن جندياً صفع والدة الصبي الآخر حين احتجت على إيقافه…وهذا التصرف الاخير، لو ثبت، فهو عيب بكل المقاييس والاعراف.
    تنغل البلد بمئات ألوف الدراجات النارية التي تقتحم الارصفة في المدن الكبرى ومنها العاصمة، وتتلوى بين السيارات حين لا تسير عكس السير، متسببة بعدد هائل من الحوادث، بعضها قاتل لأصحابها أو للمارة. فما الذي جعل أفراد ذلك الحاجز للجيش اللبناني داخل المخيم يتصرفون فجأة كشرطة سويسرية، على فرض حسن النية. وأما افتراض سوئها فمن مهمات التحليل السياسي، لا سيما أن مخططات جرّ هذا الجيش الى نزاعات تؤدي لإضعافه أو لانكشافه أكثر من أن تحصى، بينما هو المؤسسة الوحيدة في البلد التي ما تزال تحافظ على تماسكها. ومعلوم كيف تسعى التشققات الطائفية والمذهبية والجهوية العائدة لبنية المجتمع اللبناني الى التسلل اليه، وقد قدم أحدهم، من الذين يعرِّفون أنفسهم كفاعلين سياسيين، ويحق لهم التصريح على شاشات التلفزة، مقترَحاً أخرق وفاضحاً، مطالباً بانتقاء عناصر ووحدات الجيش وفق هويات مناطق انتشارها. ولا سيما كذلك أن في ملف معركة نهر البارد منذ خمس سنوات بالتمام معطيات عديدة تستدعي السؤال، ووقائع ما زالت مبهمة، حول لماذا وكيف، وحول ظهور شهية فائقة للتدمير، من غير المؤكد أن مواجهة مجموعات فتح الاسلام كانت تتطلبها.
    ولا شك أن قيادة الجيش تجري تحقيقاً في الحادث الأخير الذي كانت هي ولبنان بأسره بغنى عنه، حتى لا يضاف ملف آخر ملتهب الى الملفات المفتوحة والتي تدار أصلاً بالاحتياط الدقيق وبالتعوذ من الشيطان.
    ثانياً، في ما يتعدى الآني: ما زال مخيم نهر البارد بأغلب مساحته مدمراً. ما زالت لم تُسلم من الوحدات السكنية إلا 200 شقة من أصل 5500! ما زالت أغلبية الـ31 الف نازح منه، تعيش إما خارجه أو في خيم بنيت على عجل. وهكذا، ومحاطاً بالهواجس، راح يسود مطلب «العودة الى المخيم» كيفما اتفق، في تراجع عن شعار «عودة المخيم» نفسه، وهو وحده ما يمكنه جبر ما جرى في العام 2007، إذا تركنا جانباًالشعار/الاطار السياسي الذي تطيح به مثل هذه الأوضاع، أي»حق العودة»…الى فلسطين.
    يقر المسؤولون الدوليون عن إعادة إعمار المخيم أن هناك بطئاً شديداً، ويلقون باللائمة على الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة اليورو التي حجبت اجزاء هامة من الهبات والمساعدات الاوروبية بالدرجة الاولى. والازمة ليست مرشحة للانتهاء. وبكل سذاجة، فلمَ لا تتفضل بعض الدول النفطية العربية، التي تبذل الغالي والرخيص في لبنان دعماً للمجموعات التي تقع على هواها، في دعم صندوق إعادة اعمار مخيم نهر البارد، أقله تكفيراً خالصاً لوجه الله عن السيئة آنفة الذكر. ماذا عن إيران أيضاً وفي السياق ذاته؟
    ثم، هل يعقل أن يبقى المخيم محاصراً على هذه الصورة، لا يتم الدخول اليه والخروج منه إلا بتصريح عسكري، حتى بالنسبة لسكانه، حتى بالنسبة للصحافيين. هل من ضرورة لأن تنتشر حواجز الجيش اللبناني على مداخله وداخل احيائه، في استثناء عن سائر مخيمات اللجوء الفلسطيني، ما يجعله تحت السيطرة والمسؤولية المباشرتين للسلطات الامنية اللبنانية…كما كانت حال المخيمات قبل 1970. هل من وظيفة لذلك، تمهيدية مثلا لسواها، أو نموذجية، أم هي ممارسة لمنطق «غنيمة الحرب»، حرب العام 2007؟ وكيف يعيش السكان حين تُكبل الحركة منهم وإليهم على هذه الصورة الخانقة، ويقال إن 80 في المئة من شباب المخيم عاطلون عن العمل. يطالب أهالي البارد بفك «عزلة المخيم عن محيطه»، وهو كان قد غدا قبل العام 2007 مركزاً لصناعات خفيفة ومتوسطة، وللمهارات الحرفية، وللتجارة والتسوق، علاوة على خبرة أهله المتقدمة في الزراعة واشتغالهم فيها، وبالأخص في سهل عكار القريب.
    تؤدي سياسات العزل والحصار والسيطرة، وانفجار سلوكيات لا يمكن وضعها سوى في خانة التنكيل، الى رعاية البغضاء. وهي متبادلة. وهذا حضن دافئ منبتٌ لسياقات لاحقة قد توفرها تداعيات ظروف المنطقة التي ما زالت في المجهول. ولكنها، أياً كانت، ليست بالتأكيد في مصلحة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ولا في مصلحة اللبنانيين جميعهم، موضوعياً، وبغض النظر عن قناعاتهم. هنا، وبناء على الواقع الجاري وعلى ما يضمره، ثمة ما يستدعي التبصر وإعادة النظر في الخيارات الممارسة والتشدد في المسلكيات. وقد كانت لافتة اللهجة الهادئة والتصالحية التي طغت على خطابي السيدين محمود عباس وإسماعيل هنية الى السلطات اللبنانية بخصوص الحادث الأخير. ولكن الخوف هو من تكرار الحادث كما جرى عند تشييع الضحية الاولى، حيث سقط ضحايا جدد… إلا إذا كانت السلطات اللبنانية تفترض أن السكان الفلسطينيين عبيد، عليهم أن يرتضوا الموت بصمت، وأنها تستبد بأهل البارد نيابة عنهم جميعاً. وهذا منافٍ لكل عرف أخلاقي وحقوقي عالمي.
    نقطة أخيرة: بُني بسرعة مدهشة، في بلد تمط فيه كل المشاريع، نصب هائل ومتشاوف، موضوع على مدخل البارد، عند تقاطع الطرق المؤدية اليه وإلى مناطق عكار الجبلية والساحلية على السواء، يذكر أهل المخيم كما أهالي المناطق اللبنانية المحيطة به أن هناك 400 قتيل هم ضحايا 2007، 168 عسكرياً منهم من الجيش اللبناني، أغلبيتهم من ابناء تلك المناطق التي توفر للجيش أصلا نسبة كبيرة من عديده. هل كان التأريخ على تلك الصورة البغيضة لتلك الواقعة المؤلمة ضرورياً حقاً؟

  4. يقول hudu2nisbi:

    Some say that those who suffer Alzheimer return some memory of the distant past at the expense of recent events.
    In Nahr el Bared (later in Ein Hilweh) within these past days, youth pelted an army post with stones; somehow the media and “sources” overlooked that the “weapons” used by these youth were stones. Instead, the press brought back the issue of Palestinian weapons to memory and into the discussion. [Let’s keep on mind that Nahr el Bared is wiped out of all weapons of any sort. And this fact cannot be affected with whether anyone suffers from Alzheimer or not.] So the Palestinian weapons are now “imposing” themselves onto the Lebanese dialogue table in a go back to the point when this dialogue stopped (by Iz) in 2006.
    Anyone not suffering from Alzheimer remembers from about a week back that the Lebanese officials got themselves back to the dialogue table for another purpose: to prevent escalations related to them and which started with the arrest (wasn’t it kidnap?) of an ‘Islamist’ at the safadi foundation in Tripoli and the followed usage of weapons among Lebanese actors across the tariq li jdideh and other areas of cool Beirut. So the dialogue was to tackle something else, quite Lebanese.
    But now it also involves Palestinian representation in Lebanon… according to this article which claims a Syrian role aiming to stand in the way to prevent the PLO from playing the role of the only official reference for the Palestinian refugees in Lebanon.
    http://alhayat.com/Details/412126
    In all cases, proper and functioning Palestinian representation needs work to be hurried up! Or else Palestinian civilians in Lebanon (and all over) will continue to be an easy prey (yes, that same historical scapegoat).

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s