في ذكرى النكبة الفلسطينية العربية الـ64، يصير اسمها: النكبة المستمرة!

بعد 64 عاما على النكبة، يبدو أن اسمها صار “النكبة المستمرة” وتكرس هذا الاسم. ليس الاسم ما يتيغير فحسب، بل المضمون نفسه الذي لم يعد محصورا بفلسطين، بل طال الأفق العربي كله. في ما يلي تأمل للحدث.

هذه القراءة تقترح أن قمع العسكر والديكتاتوريات للثورات في سورية ومصر والأردن والخليج والمغرب العربي هو استمرار للنكبة. توتير المجتمعات العربية بحروب طائفية في مجتمعات متعددة بمعان عديدة هو استمرار للنكبة التي أقامت دولة دينية طائفية تشجع قيام مثيلاتها كرؤية استشراقية كولونيالية لهذه المشرق على انه مجرد فسيفساء طائفية، ومنها الاقتتال الذي يحدث في طرابلس شمال لبنان من اقتتتال طائفي، مستمر منذ سنوات. ونهب هذه المجتمعات هو استمرار للنهب الأكبر لأراضي فلسطين ووبيوت مدنها وقراها ومقدراتها في حرب النكبة، فيما كانت فلسطين حاضرة من حواضر هذا الشرق الصاعدة.

النكبة ليست سببا لكل شيء، بالطبع، وثمة أسباب ذاتية كثيرة في إعاقة العرب والفلسطينيين، وثمة أسباب تاريخية، لكن النكبة أيضا ليست حدثا عابرا في التاريخ العربي الحديث. النكبة الفلسطينية العربية هي موت معمم يستطيل، يحيط بنا ليس فقط باحتلال فلسطين، الذي كان مقدمة فاجعة قلبت عقل المنطقة وصدمته ووترتها إلى أبعد حدود، بل استمر القمع والإذلال والإفقار والتقوقع أيضا الذي طال وتعمم على خريطة هذا العالم العربي المنكوب.

ردّ الانقلابات العسكرية على النكبة، وإذلال الشعوب بحجة المعركة المصيرية مع إسرائيل، مثل استمرارا للنكبة. الانقلابات العسكرية واستخدام اسم فلسطين ليس فقط كذبة من قبل الديكتاتوريات الجديدة، بل فيها أيضا صدق لم يستوعب ما جرى في فلسطين، وأراد الردّ عليه يقوى العسكر، خصوصا ان المنطقة كانت متوترة أصلا بسبب الاستعمار العسكري أيضا من الجزائر إلى العراق. ولا نزال نعيش لليوم آثار هذا الردّ العسكري ولكن الموجه أساسا منذ عقود ضد الشعوب بعدما صمتت مدافعهم على حدود فلسطين وتحول عبد الناصر، أفضلهم مثل جزءا من الرد الصادق وإن أنهت الثورات منطقه، إلى مستنسخات مشوهة كالقذافي والأسد.

خرج شعار معبّر رفعه ثوار سوريون يقول انتبه وانت تحارب الوحش ألا تصبح مثله. يسمي سوريون كثيرون ما يجري في سورية اليوم “احتلالا” وفي ذهنهم دوما المقارنة مع فلسطين المحتلة، بل يذهبون إلى المقارنة بالفواجع بين الممارسات الإسرائيلية، بصفتها قمة الوحشية التي يتخيلونها، وبين ما يفعله النظام السوري في منافسة غير محسومة النتائج سلفا!

هذا الموت المعمم تعبر عنه يافطة رفعت في عامودا، في الحسكة شمال شرق سوريا، تقول: “اقتلني!…فكرك كنت عايش قبل؟؟؟!”. هذا ما فعله محمد البوعزيزي، وعشرات غيره في أكثر من بلد عربي، بحرق أنفسهم غضبا وتمردا على هذه الحياة، وكأنهم بموتهم يقولون إنهم يريدون حياة أخرى يستحقون أن يعيشونها. هذا ما فعله الشاعر اللبناني خليل حاوي بانتحاره يوم الغزو الإسرائيلي للبنان. هذا من قاله الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود “إما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا”، ثم ذهب إلى القدس واستشهد في 13 تموز 1948 دفاعا عن القدس في معركة الشجرة.

***

التحركات الجماهيرية التي جاءت العام الماضي في ذكرى النكبة، في فلسطين، وفي الأردن حيث قمعها الأمن، وفي لبنان وسورية حيث جرت محاولات استغلال لها لكن دماء الشباب كانت أكبر من ان تستغل، وقالت إن النكبة حاضرة في زوايا المخيمات وإنهم يرفضونها، ثم قامت انتفاضة مخيم اليرموك في دمشق في 6 حزيران 2011 معلنة تلاحم الدماء الفلسطينية والسورية من جديد، ولتعلن فتح صفحة جديدة في هذا المشرق العربي. تحركات النكبة الفلسطينية كانت تجري على إيقاع الثورات العربية، ولولاها لما حدثت. هذا هو الدرس الذي تعلمناه.

في السنة الماضية، أعلن الفلسطينيون أن النكبة مدخلهم إلى أي أفق تحرري، ودفنوا بذلك أوهام “علمية السلام”. وتبدو أنه في هذه السنة يتكرس أكثر فأكثر اسم “النكبة المستمرة”.

كثيرون أعادوا النظر بحدث النكبة وباسمها. فلم تعد منحصرة بحرب العام 1948. ويبدو أنه مع الذكرة الستين للنكبة تكرس الاسم أكثر، ويشيع اليوم. مثلا، الباحث سلمان ابو ستة الذي يعمل على إيقافها واقتراح أطر عودة فعلية لفلسطين تحدث في العام 2008 تحدث عن “قضاء بئر السبع والنكبة المستمرة” حيث تستمر أعمال الترانزفير بحق البدو الفلسطينيين. في العام 2010، أقام مركز بديل الذي يعمل على حق العودة معرض صور وبرنامج دراسات بعنوان “معرض الصور لبرنامج دراسات النكبة المستمرة”.

يكفي أن نضع كلمة “النكبة المستمرة” في محرك البحث الالكتروني لنرى كم صار المصطلح معمما.في عشرات الصفحات. وغيرها الكثير من الكتابات والمبادرات.

“النكبة المستمرة” تطال المخيمات الفلسطينية. أهالي مخيم نهر البارد الذين اعتصموا تكرارا ومرارا بعد حرب سنة 2007 التي فيها بصمات واضحة للنظام السوري (وغيره طبعا) عبر شاكر العبسي الذي أطلق من سجنة في سورية ليحتضنه تنظيم “فتح الانتفاضة” في مخيم نهر البارد الشديد الصلة بالنظام السوري، سموا ما حدث لهم بالـ”النكبة”. فاقترحوا ان النكبة مستمرة وتتكرر بألف شكل.  فقد تعرضوا لتهجير جديد، لمئات حالات التعذيب وثق منها 200 حالة على الأقل، لقصف عشوائي، لإذلال على حواجز تحيط بمخيمهم الضيق الذي تحيطه الأسلاك الشائكة من كل مكان كإعلان على أنه معسكر اعتقال، ولجرف المخيم وإعاقة إعماره المستمرة. في مخيم عايدة ببيت لحم أصدروا في أيار 2010 عددا يتحدث عن “النكبة المستمرة”.

صارت النكبة اسما شائعا في مخيم نهر البارد الذي يعيش بين نكبتين، يوم أبعد عن أرضه أكثر من 400 كم شمالا عن قرى شمال فلسطين، ثم رفع عنها أكثر من 10 أمتار، فلا تمكن زراعة شجرة إلا في مكان مخصص لذلك، نتيجة مخططات إعادة إعماره بعد جرفه. إنه مخيم معلق بين نكبتين.

في الداخل، الكنيست الإسرائيلي يصادق على  “قانون النكبة” في يوم الأرض الفلسطيني بأيام في 22 آذار2011، يغرم فيه من يحي ذكرى النكبة من مؤسسات تمولها الدولة. إسرائيل المرعوبة من استعادة ذكرى ما فعلته من احتلال وقتل وتطهير عرقي، صار موثقا بخطط تهجير عسكرية سبقت حرب 1948 (منها خطة دالت)، قبيل ذكرى يوم الأرض في نهاية آذار حيث يحيوا الفلسطينيون يوم الأرض الفلسطينية، جاء الردّ عليها في ذكرى النكبة نفسها! وذلك عبر احتجاجات النكبة الجماهيرية في أيار من العام ذاته الذي أعلنت فيه منع إحياء ذكرى النكبة. بل أن “لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل” ردّت على قرار الكنيست الإسرائيلي بتوسيع كلمة النكبة ووصفها بالنكبة المستمرة: “قانون النكبة وكل القوانين الفاشية والعنصرية الساقطة التي سنها الكنيست الإسرائيلي والتي يسعى لسنّها، في محاولة بائسة من المؤسسة الإسرائيلية لتضييق الخناق على الجماهير العربية وتغييب الذاكرة الجماعية بتقويض الفعاليات الخاصة بالنكبة وتزوير التاريخ، لن تجدي نفعا معنا. فالنكبة المستمرة منذ عام 1948 وإسقاطاتها، والتطهير العرقي الذي حدث وما زال قائما بحقنا في بلادنا وعلى أرضنا، في حينه من قبل العصابات الصهيونية واليوم من قبل المؤسسة الإسرائيلية”، كما جاء بلسان ممثلين عن أهل الأرض الذين يعيشون في بطن الوحش.

المستوى الرسمي الفلسطيني، البائس فعلا بخياراته السياسية وممارساته سواء في الضفة الغربية أم في قطاع غزة، والذي يكرس الانقسام الفلسطيني كأحد تجليات السياسة الإسرائيلية في تمزيق الفلسطينيين نفسيا وجغرافيا، قال رئيس سلطته في خطابه أمام الأمم المتحد العام الماضي: “جئتكم اليوم (…) لأقول بعد 63 عاماً من عذابات النكبة المستمرة: كفى..كفى.. كفى”.

إعلاميا، صار الاسم في مانشيتات صحف. وكانت قناة “الجزيرة” قد بثت في العام 2008 الجزء الرابع عن النكبة وحمل عنوان “النكبة المستمرة”.

***

إذا، “النكبة المستمرة” باتت تطال التطهير العرقي الاسرائيلي المستمر ضد الفلسطينيين في الداخل وما يطالونه في الخارج، وتطال أيضا التمييز الرسمي العربي ضد فلسطينيي الشتات. لكن ثمة أبعاد أخرى مقترحة.

من أطلق اسم “النكبة” هو المفكر السوري، قسطنطين زريق، العروبي والديموقراطي. فيقترح الياس خوري قراءتين للنكبة. في قراءة أولى، ومن تجربته بالعمل على رواية “باب الشمس” الصادرة 1998 يقول خوري انه اكتشف أن “سنة 1948 ليست كبقية السنوات، وإنما هي مرحلة طويلة بدأت في تلك السنة وتنكرت بأسماء السنوات التي تلتها… ما زلت أرى النكبة مسارا لا نهاية له”. يقدم في دراسة له تحمل اسم “النكبة المستمرة” مخططا من خمس نقاط ليقول إن النكبة مستمرة، ويتمثل في 1) استمرارمصادرة الاراضي والتمييز اسرائيليا بعد 1948 2) استمرارا صيد المتسللين العائدين 3) المخيمات الفلسطينية التي تجمع الفقر بالغيتو فضلا عن التمييز السياسي والاجتماعي ضدهم في دول عربية 4) احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة واستمرار مصادرة الاراضي والتهجير 5) المذابح التي تعرضت لها المخيمات الفلسطينيين في الاردن سنة 1970 ثم في لبنان في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا ثم في جنين في الضفة الغربية سنة 2002.

ولأن شخصا مثل الياس خوري، لا يضع عقله فقط في التفاصيل الفلسطينية الموجعة بل في إطار عربي أوسع وجعا، ففي قراءته الثانية يدفع بالـ”النكبة المستمرة” إلى حد ابعد يبدو أكثر صراحة بعودته إلى قسطنطين زريق فيقول: ” اعتقد ان عام النكبة هذا يجب ان يدفعنا الى التفكير بوطن قسطنطين زريق، الذي كان الوطن الأول الذي دفع ثمن النكبة عبر تلك الفكرة الحمقاء التي قادت الى الانقلابات العسكرية، بحيث تم دفن سورية تحت احذية ضباط اعتقدوا انهم يستطيعون حجب النكبة بالنجوم المعلقة على اكتافهم، فصاروا اداة النكبة وسبب استمرارها، ونكبوا وطنهم بالاستبداد والقمع. فبدلا من ان تكون سورية، وهي قلب بلاد الشام ومركزها، حصنا لوقف مسار النكبة الزاحف، نُكبت سورية نفسها بالاحتلال على ايدي من ادعوا انهم تسلموا السلطة من اجل بعث مجد الأمة”.

في إطار تأثير النكبة عربيا، يقول عزمي بشارة الذي يصف النكبة بـ”ستين عاماً من المأساة الفلسطينية المستمرة والتأسي العربي” في مقالة قديمة: “والنكبة كسر في التاريخ العربي الحديث، لأن هذا التاريخ بات بعد النكبة تداعيات من ردود الفعل عليها احتلت فيها جدلية العلاقة مع الخصم، مع العدو، مكان جدليته الداخلية، ثم تم تمويه الواحدة بالأخرى”.

ما تعوزه هذه القراءة هو فعلا دراسة تفصيلية لطبيعة ردود الفعل العربية على النكبة، ثم على النكسة، وكيف تأثرت المجتمعات العربية والطبقة السياسية العربية بحدث النكبة المستمرة، وكيف استطالت إلى اليوم. واليوم، يمكن التساؤل بمعرفة عقلية تلك الفترة من المفكرين- فهي لم تطل الطبقة السياسية فحسب- كيف ان “الهوس الجيوسياسي” إن جاز التعبير يتعلق أيضا بصدمة حرب النكبة ثم النكسة. لقد وُضع العرب أمام امتحانات قوة عسكرية جيوسياسية إسرائيلية مدعوما غربيا، جعلت رؤية تفتح المجتمعات من الداخل وحريتها كشرط أساسي لمواجهة ما يتعرضون له، تخبو أمام ثقل الجيوسياسة، وهو ما نرى آثارا بارزة له الآن في عقلية الاتهامات التي تطال الثورة السورية وبقية الثورات العربية بالمؤامرة وغيرها، لأن مثل هذه العقلية لا تفكر من منطق داخلي أساسا بل من منطق خارجي يتعلق بالصراع مع أميركا وإسرائيل. ولكننا بعفوية وببعض ما تيسر يمكننا أن ندرك بذلك، وكيف ان النكبة المستمرة متشعبة الى هذا الحدّ وطالت المجتمعات العربية وطبقاتها السياسية ومثقفيها ونفسية ناسها، وأن هذه الثورات العربية فعلا تأسيس جديد في العقلية العربية، ومنها يمكن بدء وقف النكبة المستمرة لتعيد ربط حرية المجتمعات وكرامتها بالتحرر العربي والفلسطيني.

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Palestine | فلسطين, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على في ذكرى النكبة الفلسطينية العربية الـ64، يصير اسمها: النكبة المستمرة!

  1. يقول ramsey:

    مقالة كئيبة .. ومتفائلة في النهاية .وعلى الاعتقاد بأنه “الثورات العربية فعلاً تأسيس جديد في العقلية العربية”… بقول “آآ آمين !” ولو انه الامور صعبة وبدها مش بس طول نفس من الناحية الزمنية، كمان بدها طول نفس الناس على بعضها وتبطل تشتغل للقضايا كل مجموعة صغيرة لحالها. هيك بحياتا التحركات ما بتهز حدا .. لا أمن متجبر ولا زعيم غبي!

  2. يقول m:

    “النكبة المستمرة” صار عندا موقع رسمي على الانترنت كمان:
    http://www.ongoingnakba.org

  3. يقول hudu2nisbi:

    Elias Khoury – Rethinking the Nakba

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s