عن استعادة يوم الجمعة

ندى زهر
مع دخول “وقف إطلاق النار” الى حيز التنفيذ في سوريا، لا بد من العودة الى أصل ما حصل. الأصل هو التظاهر السلمي للمطالبة بالتغيير وإنجازه. الأصل هو ثورة السوريين. ووقف إطلاق النار يستدعي طرفين مسلحين متقاتلين، كما يستدعي إرادتين لوقف القتال. لكن الاتفاق أنجز بين الأمم المتحدة والحكومة السورية. الحكومة السورية تعترف بخصم حددته ورسمت ملامحه في القتال، لكنه ليس الخضم المناسب لتوقيع وقف إطلاق النار. أما ثورة السوريين، بما هي أصل ما حصل، وبما هي ثورة على النظام، لم تعد محور الأحداث. هذا هو الأذى الأكبر الذي ألحق بالثورة. لذلك، هذه المحاولة للعودة الى “الأصل” عبر رواية مشاهدات وملاحظات خرج بها أشخاص على اتصال مباشر بالناشطين السوريين وطريقة عملهم السلمية.
يروي أحد هؤلاء زيارة قام بها الى دمشق وشارك في خلالها في تظاهرة خرجت من أحد المساجد في الميدان في دمشق. وتصر الكاتبة على نقل المشاهدات برغم تردد الراوي الذي يصف تجربته بانها “سياحة ثورية لا أكثر”. فالشكر لسائح نرى بعيونه ملمحا من ثورة سورية ممنوعة.
“ناقشت الموضوع مع صديق وافق على اصطحابي الى المسجد. كان الجو لطيفا في البيت القديم قبل المغادرة، ولكنني كنت أشعر بثقل سر كبير أخفيه. للمشاركة في التظاهرة مخاطر كبيرة ليس أقلها توقيفي من قبل رجال الأمن. كنت أقول للصديق ماذا يمكن ان يفعل ان وقع بي مكروه.
اتفقنا على اللقاء في مكان قريب من الجامع. كنت أجهد للسيطرة على حذري وارتباكي. فمجرد استقلال سيارة تاكسي في دمشق هذه الأيام ترهب من يعرف القليل عن المخابرات السورية. كنت أهيئ نفسي للأسئلة التي يمكن ان تطرح علي. قد يكون أي سائق تاكسي مخبرا وفكرت اذا سألني السائق أي سؤال لن أعرف كيف أتعامل معه. فأنا لبناني، لست سوريا، وأي خطأ يمكن ان يكون خطيرا لانني لا أعرف دمشق. في كل مرة يسألني السائق في أي اتجاه أذهب يصيبني الارتباك. هو جزء من الحالة الأمنية السائدة في دمشق وفي نفوس ساكنيها هذه الأيام.
تأخرت على الموعد ربع ساعة في النهاية. وهذا خطأ قابل لأن يكون مؤذيا. قال لي الصديق ان سؤلنا الى أين نذهب نقول اننا ذاهبان لشراء الفول من محل قريب في الميدان، معروف بتحضير أطيب فول شعبي، في منطقة تحولت منذ بدء الثورة الى بؤرة تظاهر.
 تحتوي بطاقة الهوية في سوريا على مكان ولادة حاملها ومكان سكنه. وهو ما يمكن رجل الأمن من تحديد الأشخاص الذين يأتون من مناطق مختلفة للتظاهر في دمشق. لذا كنت مرتبكا أكثر في حال سؤلت عن هويتي. السوريون أنفسهم يصيبهم الارتباك لهذا السبب. ولكن لحسن حظنا، وصلنا الى الجامع من دون ان يستوقفنا أحد.
في داخل المسجد الكل يتفحص الكل. لا وسيلة سوى العين لمعرفة هوية الشخص. يتقصى الحاضرون هوية المصلي جاره: “مخبر أم متظاهر؟”.
في وسط هذا كله كانت خطبة الإمام تتحدث عن التجار ومدى جشعهم وعدم تضامنهم مع المواطنين. في العموم كان الخطاب محايدا في الشكل لكنه دعا التجار،ضمنا، الى المشاركة في اضراب الكرامة (كان يعد له بعد يومين). “من قتلنا ليس منا” كانت الجملة الأقوى في الخطبة وترجمتها في التظاهرات (خاين يلي بيقتل شعبه). مرر الخطيب هذه الجملة بدون التشديد على فحواها.
في تلك اللحظات كنت أحاول ان أهدئ من ضخامة وقع الحدث علي. تحولت الصلاة بالنسبة الي الى ما يشبه اليوغا. أحسست بألفة جديدة مع الجامع.  أنا غير المتديّن، المنقطع عن الصلاة منذ طفولتي، شعرت في لحظة ان وجودي في المسجد تحول الى إضافة على طاقة جماعية صالحتني مع المؤمنين وايمانهم وصلاتهم. ولكن هذا حديث مختلف.
في نهاية الصلاة، اندفع العديدون الى الباب لاسترجاع أحذيتهم المصفوفة أمام مدخل القاعة. الجميع ينتظر كلمة السر. “الله أكبر” قد تنطلق من أحد المتظاهرين في أي لحظة. لم أفهم حينها. تصاعدت الحماسة تدريجيا الى ان انطلقت الصرخة الأولى من أحدهم. ردد عدد من المصلين “الله أكبر!” وانطلق الاعتصام.
كان أول شعار أطلق يطالب بإعادة خطيب الجامع السابق والذي أبعد عن الجامع بسبب خطبه النارية. أفترض ان من أطلق الشعار هو أحد الناشطين الموجودين في الجامع. هناك أناس يأتون الى المسجد لغرض التظاهر فحسب وهؤلاء هم الأكثر عرضة لخطر التوقيف. هناك أيضا جمهور المتفرجين وفضولهم لمعرفة ما يحصل وهناك منهم من يقرر الانضمام الى التظاهرة ان بلغته الحماسة.
بعد تلك الشعارات، بدأ الهتاف والغناء على وقع التصفيق الجماعي “يا حمص حنا معاك للموت” بنغمة موسيقية فولكلورية. صوت يخفق له القلب.
لم يبلغ الاعتصام في باحة المسجد، مرحلة التظاهر في الشارع كما يحصل في العادة. كانت مجموعتان من المتفرجين تنتظران خارج الجامع. وكان خوفي الأكبر من احتمال ان يكون أفراد إحداها من “الشبيحة”. فكرت في تلك اللحظات انهم يراقبوننا، نحن المعتصمين في الباحة الداخلية، وانهم يحددون ضحاياهم.
تبين في النهاية ان المجتمعين خارج المسجد لم يكونوا سوى مواطنين يراقبون سير الأمور. والى جانبهم كان رجال الأمن ينتشرون على مسافة قريبة من الجامع، بشكل يمكنهم من منع وصول المتظاهرين الى الشارع العريض أو الاوتستراد.
لدى خروجنا من المسجد، مشينا فرادى، ومررنا على جوامع اخرى في طريقنا. رأينا تظاهرة خرجت من جامع قريب، لكن سرعان ما اجتمع “الشبيحة” بعصيهم مهددين المعتصمين “معكم دقيقتين. ما بدي شوف حدا بعا. ياللا!”. وانفرط عقد المتظاهرين.
في مواقع أخرى، رأينا مجموعة “شبيحة” بملابسهم المدنية يحملون العصي، ورأينا بعضهم يخرج من مراكز أمنية. علمنا لاحقنا أن عدم وجود الشبيحة في اعتصام الجامع الذي صلينا فيه كان سببه انهم اجتمعوا قرب جامع آخر توقعوا خروج مصليه في تظاهرة، وهو ما حصل فعليا، وجرح واعتقل معتصمون كما علمنا لاحقا من بعض من شاركوا في التظاهرة.
في أول أيام “اضراب الكرامة”، كان التردد سيد الموقف بين التجار وأصحاب المحلات الصغيرة. ففي أكثر من حي، حتى في وسط دمشق القديمة، بقي عدد كبير من المحلات مقفلا في الصباح، لكن سرعان ما عادت الحركة اليها قبيل الظهيرة.
ظلت ذكرى الاعتصام وأصوات التصفيق ترافقني على مدى أيام لاحقة. في يوم، وجدت نفسي قرب المسجد الذي اعتصمنا فيه وفجأة شعرت بخوف من ان يتعرف أحد الشبيحة أو رجال الأمن علي. فالمعروف في دمشق هذه الأيام ان “الشبيحة” يتنكرون كبائعي بسطات في زوايا الشوارع، وهي ظاهرة تكثفت بشكل لافت منذ بدء الثورة.
في زحمة المخاوف، تخيلت أني أسمع أقداما تلاحقني وأنا اسرع الخطى، وألتف من زاروب إلى آخر، وأنظر خلفي خلسة. وجدت الملجأ من أوهامي في مسجد صادفته في أحد الشوارع المخفية.
ردت الجلسة داخل المسجد الي كتاب المفكر الليبي الصادق النيهوم ذي العنوان الفرعي، “من سرق الجامع واين ذهب يوم الجمعة؟”، وهو كتاب محظور في العديد من البلدان العربية حتى هذا اليوم. تذكرت ما لقنته من وجوب الخشوع وحظر أي صلة مباشرة مع الجامع كمكان عام. فقد حرم علينا عندما كنا صغارا مثلا، النظر الى اللمبة أو الى الزخرفات في الجامع، فضلا عن التجرؤ على مناقشة الخطيب.  وها أنا أجد ملجأي في الجامع!
لست الوحيد في استعادة هذا الشعور بالاطمئنان في باحات المساجد. يكسر المتظاهرون السوريون كل يوم جزءا من “التابو” المحيط بالجامع كمكان للقاء بدلا من كونه مكانا للخشوع أو الرضوخ فحسب. فتهتف المناطق السورية متضامنة مع بعضها البعض. كان التحريض “الطائفي” في صعود قبل الثورة. مناطقيا ومذهبيا وطبقيا. لكن الثورة تكسر هذا الخطاب برغم المظاهر التي تشي باستمرار صعوده ضمنيا.
اليوم، خرج الخطاب الطائفي التمييزي الى العلن ومعه نما الاحتفاء بالاختلاف وهو ما كان ممنوعا على السوريين من قبل.”
هذا المنشور نشر في Syria | سورية, من يوميات ثورة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على عن استعادة يوم الجمعة

  1. يقول Ahmad al-abou:

    Reblogged this on مدونة أحمد العبو and commented:
    عن استعادة يوم الجمعة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s