جبل عامل لا يقع في إيران!

يمكن الاختلاف قليلا في حدود جبل عامل، لكن الأكيد أن له وجوده الجغرافي التاريخي والاجتماعي- السياسي ضمن عدد من المناطق ليس من بينها إيران. سمي جبل الجليل لأنه يمتد بين لبنان وفلسطين، بين صيدا وصفد. وفي تعريف ويكيبيديا له تقول انه يحيطه من الغرب بحر الشام، احد اسماء البحر الابيض المتوسط.

ارتباطه الاجتماعي والسياسي تاريخيا هو لبناني وفلسطيني وسوري قبل أن يصبح معروفا بالجنوب اللبناني بعد إعلان الجمهورية اللبنانية، وبعدما فقد الجزء الجنوبي منه إثر النكبة الفلسطينية العربية.

علماء دين شيعة منه كانوا يتوجهون أساسا إلى النجف العراقي، في علاقة تاريخية مع العراق، وقلة إلى إيران. وكثيرون منهم أتوا بالشيوعية أيضا من هناك بعد ان ابتدأوا تعليمهم الديني، مثل الشهيد حسين مروّة.

تشكل الطائفية فيه كنظام للحراك السياسي والاجتماعي هو مرآة للنظام السياسي اللبناني، بل هو آخر المناطق اللبنانية التي التحقت بنموذج النظام الطائفي اللبناني (أحزابا ومؤسسات اجتماعية ودينية)، بحسب أستاذ علم الاجتماع أحمد بيضون.

ولكن: كيف بات اليوم الجنوب اللبناني كأنه امتدادا للنظام الايراني؟

ينقل عن اشخاص عاديين في “حزب الله”، في حوارات عادية غير إعلامية، خطابا متعاليا على العرب، ويعتبرون أن إيران أرقى من العرب، فيرددون بذلك فوقية في أوساط إيرانية ضد العرب. ولا نعرف عن مضمون مادة “المنار” بشأن هذه المضمون. وبهذا يكون خطاب التعالي على العرب قد اكتمل في كافة المناطق اللبنانية وفي زمن نشهد فيه تعالي الهويات بعضها فوق بعض في كل العالم.

يمكن للبعض أن يشعر في نقاشات مع أوساط شعبية مؤيدة لـ”حزب الله” أن ثمة عدائية ضمنية او صريحة تجاه التجربة السياسية الفلسطينية التاريخية، وكأن من تحادثه ليس عربيا في صف المقاومة، مصريا او سوريا او لبنانيا مثلا ينتقد التجربة السياسية الفلسطينية لكنه يقدر جوانب فيها. وما يزيده غرابة هو أن كثيرين جدا من أبناء هذا الجنوب كانوا فاعلين في المقاومة الوطنية والفلسطينية، واستشهد منهم آلاف وهم ناشطون وقياديون في المقاومة اليسارية أو الوطنية اللبنانيتين أو الفلسطينية أو مدنيون مدّوا المقاومة باحتضان شعبي، وهم الآن في “حزب الله” أو خارجه أو ينتقدونه سياسيا.

من المؤكد أن احتلال “جيش لحد”، ثم قصة “حركة أمل”، بتحولها في العام 1985 بكبسة زر بإصبع النظام السوري من حليف لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى أعتى أعدائها، أو الأخطاء الكثيرة للمقاومة الفلسطينية، أمور أساسية في إحداث بعض الشرخ الاجتماعي- السياسي في علاقة بعض أهل الجنوب بالفلسطينيين. في المقابل،  “حزب الله” يتحدث كثيرا عن فلسطين، ولا شك أنه يؤمن بتحريرها (على مستوى الإيمان أقله) وهو على الأرجح يدعم فصائل فيها، لكنه يصرّ كثيرا على أن المقاومة الفعلية بدأت منه، ويتجاهل التراكم، ويتحدث بخيلاء ويريد تعليم الكل بمن فيهم الفلسطينييون الذين تعلم من أخطائهم على أقل تقدير، في وسط كانوا ينشطون فيه فيما هم ليسوا أبناء الجنوب وليست هي مدنهم وقراهم.وهو أحد روافد التقليل من شأن التجربة السياسية الفلسطينية تاريخيا.وهو بهذا يشبه ما روّج له النظام السوري طويلا في تسفيه التجربة النضالية الفلسطينية باستثناء تنظيمات موالية له ساهمت في إحداث حروب أهلية فلسطينية.

وفي ما يتعدى كل خطاب المقاومة، ثمة شعور بأن تاريخا شعبيا – إعلاميا يفبرك للجنوب، مثلما يفبرك في كل منطقة خطاب شعبي. ويبدو أن الزعيم الرمز في الجنوب هو الإمام الخميني، من كثرة صوره، مثلما يراد لمناطق لبنانية أخرى أن يكون الملك السعودي عبدالله هو الرمز الأول، وهذا حديث آخر يستحق العناية بدوره.

“حزب الله” هو في أحد وجوهه ماكينة دعائية للنظام الإيراني، عدا التقدير طبعا لمقاومته التي أدت إلى تحرير الجنوب اللبناني من احتلال نكّل بهذا الجنوب. و”حزب الله” لم يبدع المقاومة وإن أبلى فيها بوجه إسرائيل، وسط احتضان شعبي وتضحيات في الجنوب أولا، بل أنها لُزمت له أساسا من قبل النظام السوري مع توفير دعم إقليمي ولوجستي لها، وبمنع تنوع أكبر للمقاومة.

يربط “حزب الله” الجنوب اللبناني باضطراد، اجتماعيا وسياسيا ودينيا وثقافيا، وعلى فترات مديدة، بإيران ونظامها بشكل لا يبدو أن فيه درجة معقولة من التطور الطبيعي، علما أنه يمكن أن يكون فيه تطور روابط طبيعية. فإيران جزء من المنطقة. واليوم يتشوق كثير من الجنوبيين فعلا لزيارة إيران ويسمعون قصصا عن جمالها وعن مساحاتها العامة الواسعة. وهو أمر جميل. كما أن للهوية الدينية تأثيرها في العلاقة مع فئات واسعة في الجنوب اللبناني، وللدعم السياسي تأثيراته، ولكن إلى هذا الحدّ الذي تتوثق فيه العلاقة مع إيران مقابل نفور يمكن تلسمه ضد الفلسطينيين والسوريين (إن لم نتحدث أساسا عن بقية اللبنانييين لئلا ندخل في مسؤوليات كل جهة لبنانية)؟

يتحدث جنوبيون عن تطور فوقية اجتماعية في أوساط اجتماعية جنوبية، ويعطون أمثلة، على إيقاع الثورة السورية ضد السوريين كشعب، مقابل ترداد مقولات “حزب الله” في دفاعه المستميت عن النظام السوري وأنه “ما في شي بحمص”.

خسر الجنوب امتداده الفلسطيني جغرافيا في النكبة، ثم خسر متانة العلاقة الاجتماعية مع الفلسطينيين – وسط سياقات لبنانية أخرى أيضا – وها هو يراد له أن يكون ضد الشعب السوري القريب منه؟ بأبسط المقاييس الطبيعية، لم يتوجه المدنيون من الجنوب اللبناني اساسا إلى إيران خلال حرب تموز ليحتموا من جحيم القصف الإسرائيلي، بل توجهوا إلى بقية لبنان وسورية (وخصوصا إلى المناطق الثائرة الآن مثل ريف دمشق) كما إلى المخيمات الفلسطينية. ولا يتوجه الجنوبيون إلى إيران اساسا للتسوق أو العمل أو الدراسة (باستثناء الدراسة الدينية) او زيارة أقرباء.

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على جبل عامل لا يقع في إيران!

  1. يقول Hanibaael:

    نقطة جيّدة!

    للاسف، الجنوب تم تشويه تاريخه وثقافته.. من قبل كان الجنوب خزان ثقافي وفكري لكل المجتمع.. حالياً بالجنوب ما في الا عتمة..
    لما اية حدا يمرق بالقرى الجنوبيّة ما بشوف الا يافطات تأييد للخميني ووكيله الشرعي. وعبارات تأييد لحزب الله وتمجيد الموت!

    التاريخ بيكتبو المنتصر. حزب الله قدر ينتصر ع الجميع.. وكرمل هيك ما بقى في ذكر لجبهة المقاومة الوطنية الا عبر ذكرى بيحضرها مقاتلين قديمين، وناس مؤمنة بهيدا الخط..
    وكرمل هيك ولا مرّة ذكر نصر الله اسم اية حزب او تنظيم ساهم بالمقاومة الوطنية. بالسابق، خصوصاً قبل حرب تموز كان يضل يذكر بشكل ضبابي انو في ناس غيرنا ساهمت بالمقاومة..مع الوقت تطور خطاب حزب الله وما عاد صار في ذكر لهيدا الامر.. والمسلسل الجديد اللي عن المقاومة ايا م الثمانينات اللي من انتاج حزب الله ما في ذكر لاية تنظيم او حزب الا حزب الله.

    ايام الجامعة، خضنا كتير مرّات احاديث عن موضوع المقاومة. تخيّلوا انو كان الحديث هو عن مشاركة غير تنظيمات بالمقاومة، عدا عن انو انطلقت المقاومة قبل ما يخلق حزب الله، وقبل ما تنجح ثورة الخميني اصلاً..بكتير!

    بعد حرب تموز، كنت من بين ناشطين مدنيين نزلوا ع الجنوب، واستقروا هونيك للمساعدة بالاغاثة وبعودة الناس لبيوتها.. الاجواء داخل القرى المسيطر عليها بالكامل من قبل حزب الله، هي اجواء اقرب لاجواء حكم نظام خميني..
    الفتيات محجبات من عمر 7 سنوات. الفئة الشبابيّة غير قادرة على فتح نقاش بعيداً عن ايديولوجيا حزب الله (الا فيما ندر).. عدا عن تحريم الموسيقى.. وغير قصص سمعناها من شباب مش تابعين لحزب الله..

  2. يقول hudu2nisbi:

    هيدا موضوع كتير معقد. الأشرفية مثلا ما بتوقع في فرنسا؛ جبل محسن ما بيوقع في سوريا؛ طرابلس ما بتوقع في السعودية؛ ..
    نتيجة للحرب الأهلية برزت قوى وضعفت أخرى. حتى ولو تعلم وتأثر الجنوبي الشيعي بالعمل الفلسطسنس الفدائي، :ان لا بد للشيعي ان يأخذ فرصته التاريخية، لأول مرة على امتداد التاريخ الإسلام كله، ولا ننسى عدم إعتراف الإمبراطورية العثمانية بلاإجتهاد الشيعي وبالمذهب ككل. الحرب الأهلية وحلهم السالح طبعاً ساهم في إضفاء قوة للجنوبيين وللحضور السياسي المستقل تتدريجياً. هذه فرصتهم التاريخية الأولى. وتفصيل تعاليهم وتتطور علاقتهم تجاه الفلسطيني هو جزء من هذا التطور التاريخي لهذه الفئة من اللبنانيين بالتحالف مع الجهة الخارجية المذكورة، إي إيران. هذه دينامسيكية التطور التاريخي / السياسي / العسكري. …..
    وفي ما خص العلاقة مع الفلسطيني، أي بحث ميداني (أو حتى دردشة جيران أو خلال زيارة) حول تاريخ العلاقات بين الجنوبي والفلسطيني يظهر التشابه في التجربة الفلسطينية – الجنوب لبنانية. حتى التعابير اللفظية تصبح واحدة، خاصة بين من هم فوق الـ 55 في السن.
    ما هو حاصل من “تعالي في الجنوب هو نتاج التحول الى قوة سياسية / مذهبية / عسكرية بعد قبون من الإقصاء.. . بما فيه الإقصاء من بعد تأسيس لبنان الحديث….. إنها ردات الفعل!

  3. يقول Amal:

    I don’t fully agree with this article. South of Lebanon is a reflection of all of Lebanon: it is sectarian country and each sect is seeking enpowerement from the outside. I am from the south and eventhough I am currently living outside Lebanon but I visit it very often, actually I just flew back from there. My family still lives there so I know what I am talking about. . the southern Lebanese are arabs to the bones. they sympathize with the Palestiniancs maybe more than any other arabs because we know what it is like to live under the israeli occupation and what it feels like to lose your land. the desire to visit Iran is simply a religious one, just like visiting Iraq or KSA.. to see the holy sites.. nothing less, nothing more… and despite everything, you cannot at all deny that Iran is an old powerful smart nation, who succeeded in building a working ecnonomy despite the embargo.. and when iran builds a road in the south for example, the southerners compare it to the road that the lebanese built with all stealing and imperfect work.. and they admire it.. you cannot deny them that… I am a secular person to the bone and i hugely disagree with hizbollah and its policies and i hate religion but be fair my friend..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s