معنى ان تُمزّق مدينة الى قسمين

هناك مقولة يونانية شهيرة تُستخدم في حالات الخلاف او الجدال على النحو التالي: “هيا… انها ليست الأزمة القبرصية! يمكننا حلها”. بالفعل، لطالما علمت بان هناك مشكلة إحتلال تركي للجزء الشمالي من جزيرة قبرص، وان هناك خلفية “عرقية” للـ “أزمة” بين قبارصة من أصول تركية وآخرين من أصول يونانية. ولكن لم يخطر في بالي يوماً ان ما تعانيه قبرص، وبالتحديد العاصمة نيكوسيا، هو عبارة عن تمزيق للنسيج الإجتماعي والعمراني لمدينة عمرها آلاف السنين.

ذهبت الى قبرص هرباً من النظام اللبناني الذي لا يتيح لنا ان ننعم بقانون مدني للأحوال الشخصية، للمشاركة مع صديقي وصديقتي في زواجهما المدني. فوجدت هناك أشياءً من لبنان، وأشياءً من فلسطين، وشعرت بتضامن كبير ضد حالة من الظلم تعيشها العاصمة.

قرأت في الدليل السياحي “لونلي بلانيت” ان ثمة ما يُسمى بالخط الأخضر وهو عبارة عن منطقة عازلة في مدينة نيكوسيا تفصل بين الشطرين التركي والقبرصي. صدقاً، ظننت انها شيء شبيه بالحدود بين سوريا ولبنان في منطقة المصنع، أي أن المنطقة العازلة فيها غير مأهولة وتتكون من فاصل “طبيعي” في الجغرافيا. ولكن مع ذلك، قررنا الذهاب لرؤية هذا الجزء التركي الغامض في مخيلتنا.

وصلنا نيكوسيا وسألنا عن وسط المدينة القديم – انتبهنا ان ثمة إنزعاج كبير من سؤالنا عن “الخط الأخضر”. مشينا وبدا كل شيء طبيعي وعادي، إلا ان أصبحت بعض الأزقة مسدودة في منتصفها. بدأت انتبه للسدود والحواجز واحدة تلو الاخرى، جميعها على “الخط” نفسه. إذاّ، هذا هو الخط الفاصل حيث تبدأ المنطقة العازلة. سدود في أزقة مشاة ضيقة مكونة من دشم حربية مملوءة بالرمل، تشبه الدشم التي كان يختبئ وراءها المقاتلون في الحرب الأهلية في بيروت. والمنطقة العازلة لم تكن بمكان فارغ بل هي جزء من النسيج العمراني القديم للمدينة، تحولت الى مساحة مهجورة يأكلها الغبار والنبات. حتى بعض البيوت المكونة من باحات داخلية، تم إغلاق ممراتها بذات الدشم العسكرية.

هناك أيضاً نقاط حواجز للجيش القبرصي، مع عساكر شرحوا لنا ان تواجدهم هو لحماية المدينة في حال نشوب حرب. بالقرب من ثكنتهم العسكرية، هناك يافطة ضخمة تقول: “الإنتصار لا يأتي من دون تضحيات، الحرية لا تأتي من دون دماء”. وعندما أقول “ثكنة عسكرية”، هو فعلاً برج مراقبة صغير جداً – فنسيج الأحياء الضيقة لا يسمح بأكثر من ذلك.

ثم اقتربنا من الحدود. هي ليست ذات مساحات شاسعة من حولها كما اعتدنا. هو زقاق من أزقة نيكوسيا، تمشي فيه بشكل عادي، ثم يصبح مسدوداً مع إشارة “دخول”. تمر من بعدها على البوليس القبرصي وتصبح داخل المنطقة العازلة. من بعيد يمكن رؤية العلم التركي يرفرف عالياً.

داخل المنطقة العازلة، هناك عدد من الناشطين يمارسون حقهم في الإعتراض على هذا الفصل في المدينة – نصبوا خيمهم وأطلقوا حملة “إحتلوا المنطقة العازلة” وكتبوا شعارات على الجدران “الأمم المتحدة، إذهبوا الى بيوتكم”، “لا للفصل العنصري”، “الجدران السياسية وهمية”، “كلنا قبارصة، لسنا يونانيين، لسنا أتراك”، “لا للحدود”…

الحدود التركية تتطلب من الزوار جواز السفر ويمكن دخولها على أساس فيزا تعطى في لحظتها. نعم، فيزا! فقبرص الشمالية أصبحت دولة منفصلة، وتركيا البلد الوحيد الذي إعترف بها! لديها علم ورئيس جمهورية، علمنا انه توفى الشهر الفائت، وتم تشييعه في جامع السليمانية الكبير في نيكوسيا الشمالية، وحضر تشييعه أردوغان شخصياً وممثلون عن قطر، أزربيجان، باكستان، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. هو رؤوف دنكطاش، رئيس دولة قبرص الشمالية.

على فكرة، القبارصة (اليونانيون) في الجزء الجنوبي لا يسمح لهم بالدخول الى قبرص الشمالية إلا عبر التقدم بطلب تصريح للدخول، ويمكن ان يرفض، وهذا بدأ فقط من عشر سنوات عندما أقيمت “هدنة” بين الطرفين.

القسم المحتل من المدينة جميل… ولكن كئيب. علامات الإحتلال واضحة في مساحاته وهوائه. أعلام تركيا، جنبها أعلام قبرص الشمالية، ترفرف في كل مكان. المحلات السياحية تبيع تذكارات عليها العلم التركي. صوَر دنكطاش على الجدران. عسكرة واضحة للحيّز العام. وهدوء سكاني مخيف.

جميعها مشاهد حركت مشاعري وأخذتني الى فلسطين، الى لبنان، الى الجيش السوري في لبنان، الى الإحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، الى مواقف تركيا الدولية، الى مفقودي الحرب الأهلية اللبنانية…. تحديداً صوَر مفقودي الغزو التركي على قبرص سنة 1974، معلقة على شجرة ميلاد متواجدة قبل الوصول الى الحدود القبرصية.

في طريق العودة، لاحظت غرافيتي متكرر على العديد من الجدران في نيكوسيا (الجنوبية)، وفي كثير من الأحيان ممسوح: خارطة قبرص وتحتها كلمة Katastrofias والتي تعني “كارثة” وأيضاً تشير من خلال اللعب على الكلام، الى رئيس قبرص الحالي “كريستوفياس”. و في كثير من الأحيان وجدت ممسوحة و/أو كتب مكانها: Fuck ELAM

كما تعقيدات لبنان وفلسطين، فجدران نيكوسيا تعبّر أيضاً عن تعقيداتها وصعوباتها. ولكن أيضاً كما لبنان وفلسطين، الظلم واضح في حيّر المدينة وبين أزقتها.

غرافيتي في الجزء الجنوبي من نيكوسيا

الفصل بين المدينة والمنطقة العازلة

الرجاء عدم ترك طعام القطط والطيور أمام بابي

الحدود

إحتلوا المنطقة العازلة

“تتريك” الحيّز العام

لذكرى المفقودين

هذا المنشور نشر في قبرص | Cyprus. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s