قصة غريبة- طريق جمال الى الاستفتاء

يوم 26 فبراير، سيخرج جمال من زاوية غرفة بيته الداخلية في حي الخالدية بحمص، سيتغاضى عن الذكرى التي لم يمر عليها سوى اسبوع لمقتل ابنته واخوه و3 جيرة في شارع الحي. سيكذب على زوجته ويقول لها انه ذاهب ليحاول تدبير بعض الطحين وعلب تونا ويطمئنها ان لا تقلق وانه سيأخذ حيطته، ويصر بعد رفضها واعدا إياها انه اذا شعر بادنى خطر فانه سيعود. سينفض كل تشكيلة مشاعر الاحزان والغضب الغائرة في وجهه ونفسه، وسيبقي على الامل فقط، وسيحاول اصطناع ابتسامة خفيفة. سيقطع ركام شارع الحي بخفة. سيمر بسرعة البرق ليقطع زاروبا يقطعه قناص وستصيب الطلقة فروة جاكيته وتخدشه خدشا لحسن الحظ. وسيقفز قفزة هائلة متجاوزا قذيفة تسقط ليس بعيدا عنه. يتابع مسيرته بثبات. سيقطع بثيابه المهلهلة التي عليها آثار دم اول حاجز عسكري من دون اعتقاله بل بضربه خمس كفوف على الماشي، وبعد ترجيهم وتوضيح غايته يفرجون عنه. ثم يقطع حاجز امن من دون اعتقاله ولكن بالتأكد من ولائه بالدوس على رأسه وتحليفه من هو ربه. وبعد ان يحلف “سيادة الرئيس بشار الأسد” ثلاث مرّات يتركوه لسبيله مطمئنين. ثم يقطع حاجز شبيحة من دون قطع وريده بساطور بل بضربة بعصاة مسمارية على كتفه الايمن. وبعد ترجيهم والبكاء هذه المرة، يتركوه لأهمية وجهته مع الشفقة عليه. سيقطع ارتال الدبابات والبيوت المقصوفة والشوارع المفلوحة، محني الرأس خشية ان يفهم رجل امن ان رفع رأسه بنظرته الى الاعلى هو شعور كرامة عادي. سيصل اخيرا لمركز الاستفتاء ويقف على الدور المكتظ بالمصوتين. يصوت اخيرا للدستور السوري الجديد ويضع شحطة في دائرة “نعم”، نعم لولايتين رئاسيتين كل منهما 7 سنوات ويحق لبشار الأسد البقاء في الحكم بل والترشح من جديد. ثم سيشعر انه سعيد. يكزدر في احياء حمص بكل اريحية، ويدعوه الباب المخلوع لمكتبة علوان للدخول. ستقع عيناه على رواية كافكا “القصر” مرمية بين الكتب على الأرض. سيتوجه فرحا الى حديقة السباعي التي يدفن فيها القتلى على عجل، يجلس على بقايا مقعد. يضع رجلا على رجل وهو يقرأ. لن يلهيه تخيل اصوات لعب الاطفال في الحديقة، ولا تخيل حركشة رجل مسن به يحاول فتح حديث معه عن الطقس البارد هذه السنة. سينهمك بالقراءة فرحا. فقط رداءة الترجمة ستزعجه قليلا.

يضع الكتاب الى جانب الفرشة في بيته، ويغلق عينيه وهو يتخيل: والله يا كافكا تفوقنا عليك بابداعنا، ما كان ممكن تتخيل سيناريو هيك دستور.. مش هيك وبس، في قوى عظمى، عظمى كثير، بتبدع معنا.. بوتين ولافروف ورئيس المخابرات الروسية، وابو طاسة كمان.

هذا المنشور نشر في Stories ا قصص, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على قصة غريبة- طريق جمال الى الاستفتاء

  1. يقول punishment:

    في راويته القصيرة “مستعمرة العقاب”، يصف كافكا عملية تعذيب ترسخ في لحم جسد المعاقب “الجريمة” التي إقترفها. .يُلقى المعاقب على ما يشبه السرير وتُطبق على طول جسده آلة مغروس فيها ما يشبه المسامير الدقيقة. تُنزّل الآلة حتى الجسد وتبدأ المسامير بحفر جملة الحكم الصادر بحق “المجرم” وتتخلل ما إقترفه هذا في أنحاء جسده كله. وبهذا يقاصص الإنسان بما يقترفه هو.

    وهنا يعذبوك لكي تنطق بمن هو ربك والتعذيب ضروري لكي ينحفر “الرب” هذا في ذاكرتك وجسدك!

  2. يقول ramsey:

    to all those who do critical writing is that when you must read much horror in order to criticize it, do make sure you have some solid source of beauty, eloquence, and truth by your side. “

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s