يوم في بيروت

إستيقظت بتوقيت بابا عمر. ثلاث عائلات ذبحت في حمص من قبل ميليشيا الأسد. ثلاثون منزلاً يحترق في بابا عمر. القصف الصاروخي في أشده منذ بداية الثورة.
عادةً لا أستيقظ على التلفزيون ولكن هذا اليوم كان إستثناءاً.
شعرت في مغص في قلبي ورافقني هذا الشعور طيلة اليوم.
كنت قد طبعت في الليلة الماضية رسالة إعتراض هيأتها للطعن بـفاتورة خدمة الـ DSL التي وصلتني من أوجيرو.
ذهبت الى أوجيرو في بئر حسن. وجدت نفسي في مبنى الوزارة المقابل حيث تقديم الإعتراضات المالية. صعدت الى الطابق الأول. مكاتب حكومية مثل كل المكاتب الحكومية في لبنان: عفش قليل وقديم، ملفات واعتراضات، وموظفون ضجرون ومأكول حقهم من أوجيرو نفسها.
حاولت إقناعي مسؤولة القسم بعدم جدوى تقديم الشكوى. أشارت الى عشرات من الشكاوى التي يعود الرد عليها سلبياً من أوجيرو أو أخرى لا يلاحقها أصحابها فيتوقف العمل بها. أصرّيت على تقديم الشكوى وبدأ صوتي يعلو شارحة المشكلة وشاكيةً من الاستهتار بحقوق المستهلك.
سمعت كلامي الإمرأتان اللتان كانتا جالستان وراء مكاتبهما في الغرفة الواسعة نفسها.
– قالت لي أحدهما: الأمر ذاته حصل في بيتي.
– قلت لها: لكن أنا أريد أن أقدم شكوى وأن ألاحقها وأن أدفع الموضوع كي يصل الى الإعلام إن لزم الأمر.
– ردت: يا ريت! ستقدمين لنا جميعاً معروفاً، دعيني أقرأ رسالتك.
التفتت للمرأة الأولى وقالت لها أن تدعني أقدم شكوى. كما أنها نصحتني أن أصعد الى الشباب في الطابق الثالث لأفهم ماذا تعني هذه الأرقام المالية تقنياَ. شرحوا لي وكانوا جداَ لطفاء. عدت لأباشر تقديم الشكوى. سألتني المرأة ذاتها التي دلتني على الشباب «شو صار معك؟ شفتي لهيدا الشاب؟ شاب حلو، ما هيك؟» –
بعدها، دخلت الى غرفة مجاورة لرئيس القسم الذي كان متعاوناً وأرشدني خلال كل خطوات عملية تقديم الشكوى التي كانت المرأة الأولى تجعلهم مبهمين وعصيين على التنفيذ. قرأ رسالة الإعتراض التي كتبتها وعلّق أنها تليق أن تنشر في الجريدة.  أخبرني عن عشرات الإعتراضات المقدمة ضد شركة إوجيرو من قبل مواطنين وصلتهم فواتير غير عادية.
قلت له، فإذاً هذه مسألة عامة وعلى الوزارة أن تتحرك وتضغط على الشركة التي تمارس نوع من الإحتيال. قال لي إنه قد نبه إوجيرو من تقديم خدمة إنترنت سريع غير آمنة، وردوا عليه أنهم لا يملكون القدرة على تفادي ذلك.
شرح لي كيفية سير مسألة الإعتراض. فبعد رد إوجيرو بأن الفاتورة سليمة وأن الغلط ليس من عندهم، وإن لم يعجبني  الجواب، أستطيع أن ألجأ الى المحكمة الإدارية. نصحني بمتابعة المسألة للآخر.
خرجت من الوزارة وقدت السيارة متجهة الى الحمراء. لمحت في طريقي ملصق أحمر: «لا بد للقيد ان ينكسر».
تكرر كثيراً، فأردت أن أعرف سبب وجوده. دققت أكثر: حركة الشعب. طز.
نظرت الى الجهة المقابلة حيث الجدار مقابل مخيم مار الياس الذي كان مليئاً بشعارات تضامنية مع حمص والثورة السورية، فكان مطلياً بوشحات بيضاء حاجباً الشعارات.
أردت أن آخذ طريق البحر بعدها. البحر جميل اليوم، هائج وأبيض. بدأت العجقة عالريفييرا، كوّعت وزوربت وصولاً الى الحمراء.
ركنت السيارة في موقف. عادة لا أقود سيارة من الإثنين الى الجمعة، ولكن اليوم كان استثناءاً.
–الدفع عند  العودة. –لماذ؟.  –كرمال ما نغلط.  –ليش بدنا نغلط، ٢٥٠٠ أدفعها الآن. –لا تقلقي، عند العودة نحن معتادين كرمال ما نغلط.
ضحكت.
عُدتْ.
أعطيته ٣٠٠٠ .
-نحن أول ساعة ٢٥٠٠ وبعدين….
لم أدعه يكمل جملته، قلت:
– ومن حدد ذلك؟ وبعدين الموقف فارغ.
– كان في عشرات السيارات كان بإمكاني آن أركنها مكانك.
‫-‬ أعطيتك ٥٠٠ زيادة.
‫-‬ ‫بع بر بع بع بر بر ……‬
خرجت من الموقف.
عجقت سير.
وصلت البيت.
عالساعة السابعة ذهبت الى مسرح المدينة لأعرف ماذا يحدث مع حرش بيروت وفضولاً مني لأعرف كيف سيكون النقاش. تفاجأت بفزلكة الحدث. صف من ستة بنات، ثلاثة من كل جهة عند مدخل المسرح، مطبوعات مشكلة، بوفييه، بروجكتورات، تمويل US AID ، نروجيين، الخ…
تكلم رئيس البلدية، بلال حمد، ويا ريته لم يتكلم. تربيح جميلة ومسخرة على الشعب وتقليل من شأنه؛ وإنذارات ومهل؛ وشركة خاصة لإدارة الحرش؛ ومحمية لا يقدرها اللبنانيين.
كان حديثه مخزي، متعالٍ، ومتعدياً على الملك العام. وددت لو يرميه الجمهور بالطماطم.
رد لنا المحامي نزار صاغية اعتبارنا. رفض مهل تقدمها البلدية للشعب. ونصحنا أن نلجأ الى القضاء، فرئيس البلدية يستكمل إجراءاً غير قانونياً بإبقاء الحرش مغلقاً. هذه مساحة عامة من حقنا وواجبنا أن نحتلها ونقتحمها.
بالعودة الى البيت كان غرافيتي: إعدام بشار قريباً في عين المريسة قد طلي بالأبيض.

هذا المنشور نشر في Graffiti | غرافيتي, Lebanon | لبنان, Ogero | أوجيرو, Stories ا قصص, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على يوم في بيروت

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s