حماة، وذاكرتنا المشتركة

كانت قوات الاسد منهمكة بمجزرة جمعة أطفال الحرية في 3 حزيران 2011 (نحو 53 قتيل بحسب توثيق مصادر الثورة)، فيما كان النظام يسهل وصول التلفزيونات والمصرحين السياسيين لتغطية رش الجيش الاسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين والسوريين، مثل العصافير، بلا أي رد عسكري سوري، بعد يومين من مجزرة أطفال الحرية، في ذكرى النكسة، وبعد تحرك ذكرى النكبة الذي سبقه. وانتفض مخيم اليرموك حينها على سياسة نظام الأسد ومواليه من تنظيمات فلسطينية صغيرة ومستتبعة (حتى أن “حماس” ومقرها في دمشق رفضت أن تكون بوقا للنظام رغم القيود المكانية والسياسية).

من ملصقات الثورة السورية

 واليوم تغطي مثلا صفحة الفيسبوك “مجزرة أطفال الحرية” ذكرى مجزرة حماة الأولى، عدا صفحات أخرى مثل “حماة العزة والكرامة”. الثورة بأكملها تستذكر حماة، والحاضر، المعذّب، المتحرّر، يحتضن الذاكرة التي تنزف بحنان.

منذ البدايات الأولى، ثمة علاقة وثيقة بين قمع السوريين والفلسطينيين معا. صحيح أن نظام الأسد استمر في سياسة تعامل المجتمع السوري وسياسييه السابقين الذين عاملوا الفلسطينيين في سورية معاملة اجتماعية أخوية، فإنه كان كارثة فعلية عليهم لقمع شعبه، وتغييب سورية عن مكانتها، وقمع الفلسطينيين سياسيا وعسكريا في الآن ذاته، وتزامن الدم السوري مع الدم الفلسطيني. الأحرار السوريون الكثر، لا يزال بعضهم في المعتقلات، كانوا مؤيدين للمقاومة الفلسطينية في مراحلها التاريخية فيما كان النظام يبطش بهذه المقاومة مرّة تلو الأخرى. والمحطات عن تزامن القمع للسوريين والفلسطينيين واللبنانيين كثيرة.

قائد سلاح الجو حافظ الأسد قام بانقلاب عسكري في سورية في نوفمبر 1970، بعد أيام من قرار إقالته لأنه ترك الجيش السوري بلا غطاء جوي داخل الأردن. سبق ذلك اتهامات طالته بسبب أدائه في معركة 1967، ومن هذه الاتهامات تأخر غير مفهوم لتحرك الطيران السوري والإعلان عن سقوط القنيطرة قبل سقوطها. لم يوافق الحكم السوري قبل انقلاب الأسد على تصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن وما لحقها من مجازر أيلول الممنوع الحديث عنها في الأردن (وكانت له رؤية مختلفة جديا عن الأسد في طرق الصراع السوري مع إسرائيل حيث كان الأسد يميل إلى التهدئة). ولا يزال الأردنيون الفلسطينيون يرزحون، منذ ذلك الحين، تحت ثقل السياسات التمييزية تتويجا لتلك الأيام.

من ملصقات الثورة السورية

المحطة اللاحقة يحكي عنها شعار الغرافيتي الشهير “أسد في لبنان/ فار في الجولان” (الإمضاء: المكتب الطلابي- الرفض) الذي ظهر على أحد جدران مخيم تل الزعتر (توثيق كتاب ماري شختورة: حرب الشعارات). أزيل الشعار والجدار نفسه لأن المخيم كله مسح عن وجه الأرض بجرافات D9 الشهيرة بعد مذبحة راح ضحيتها 2000-3000 فلسطيني ولبناني إثر سقوطه عسكريا بعد حصار 52 يوما ابتدأ في حزيران 1976 وانتهى بعطش الصيف، بمشاركة جيش الأسد ودباباته. لكن الشعار اشتهر في الأفواه مع تغيير عليه “أسد أسد في لبنان/ أرنب أرنب في الجولان”.

 كانت القوى الوطنية السورية معترضة على دخول الأسد إلى لبنان، وكانت قد بدأت حملات القمع ضد المعارضين السوريين السياسيين. تذكر المخرجة السورية هالة عبد الله في رسالة شفهية مصورة الى اللبنانيين، في بداية الإنتفاضة السورية، ان السوريين ناضلوا وتظاهروا واعتقلوا رفضاً لدخول الجيش السوري الى لبنان في العام 1976. والشعب السوري في المدن والقرى اليوم يردد مرة أخرى بشكل جديد “الشعب يريد إسقاط النظام” بل بجذرية أكبر معتبرا ان النظام هو “احتلال” مثلما كتبت شعارات على جدران الزعتر آنذاك “لا للنظام السوري العميل، لا للاحتلال السوري، نعم للثورة الفلسطينية” (الإمضاء: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – الجماهير اللبنانية والفلسطينية). كان يقمع السوريين في بلده ويرسل جنوده ليقتلوا في لبنان كيفما اتفق في معارك تكرس كرسي النظام ودعم مجرمي حرب على شاكلته في لبنان كانوا احترفوا الإجرام منذ الأيام الأولى للحرب اللبنانية وقبل أن يصبح الإجرام المتفلت عادة لأطراف الحرب اللبنانية المختلفين. كان الجنود السوريون يرسلون للموت في حروب النظام، دفعات دفعات، بلا اكتراث. كان من الواضح ان من يرسلهم لا يهتم بحياتهم ولا بأهالي الضحايا الذين عادة ما يكونون صوت معارضة الحروب، لكن من يجرؤ على فتح فمه في سورية والمعتقلات بانتظاره.

بعد تل الزعتر، كان ضباط الاسد كلهم انهماك بمجزرة حماة في شباط 1982، منغمسين بالتفكير بأشد التفاصيل في كيفية القيام بمجزرة فريدة من نوعها في اساليب القتل وعدد الضحايا بأقصر وقت ممكن (عشرات آلاف القتلى. وغريب ان المجازر تفتقد حتى لرقم دقيق)، وأن “تكون عبرة لمن لا يعتبر”، فيما وقع اتفاق وقف اطلاق نار مع اسرائيل بعد 5 أيام من بدء الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982، في عز المعارك مع المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين. ثم انهمك من جديد في تصفية بقايا المقاومة الفلسطينية في شمال لبنان سنة 1983. مخيمات الشمال الفلسطينية كانت تقصف من طيران الأسد والطيران الاسرائيلي في نفس الوقت، كما وثق كتاب حنا بطاطو عن سورية، والذي يحوي فصلا عن العلاقات السورية الفلسطينية.

من شعارات مخيم تل الزعتر (كتاب ماري شختورة)

من شعارات على جدران مخيم تل الزعتر (كتاب ماري شختورة)

كثيرون في مخيم نهر البارد، شمال لبنان، تذكروا تلك الأيام بعدما ظهر المعتقل السابق في سجن سوري، شاكر العبسي، وتنظيمه “فتح الاسلام” في مخيم نهر البارد بتسهيل من “فتح الانتفاضة” المقربة من النظام السوري (2006-2007)، إذ استضافت مقاتلي “فتح الاسلام” في مقراتها، وحمتهم، بعدما طردوا من جميع المخيمات الاخرى. وفسرت هذه الرسالة على أنها واحدة من رسائل الأسد الى لبنان، وسياسته الخارجية القائمة على الأعمال الاستخباراتية، في وقت شهد لبنان سلسلة اغتيالات لشخصيات متنوعة أشد التنوع، لكنها جميعها اعترضت على حكم الأسد في لبنان.

في ضوء الثورات العربية وخصوصا الثورة السورية المستمرة، أصبت بشعور غريب عند رؤية شعارات ضد نظام الأسد في تلك الفترة من التاريخ على جدران مخيم فلسطيني ثائر أبى أن يستسلم. لست لأنني لم أكن أعرف التفاصيل السياسية لتلك المرحلة، بل لأنني رأيتها أمام عيني مجسدة في صوَرٍ لمخيم أجهله. ففكرت بيني وبين نفسي: هل من السهل ان ننسى؟ هل نسي الفلسطينيون واللبنانيون المستمرون في دفاعهم عن النظام السوري هذه المرحلة؟ الأكيد هو أن السوريين لم ينسوا حماة.

بعد مجزرة حماة ومطاردة المقاتلين الفلسطينيين في شمال لبنان سنة 1983، جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في نهاية 1987 لتضغط برمزيتها، مع ضغط دول عربية أخرى، على جيش وميليشيات الأسد في لبنان لفك حصارهم الطويل والدموي عن مخيمات لبنان المستمر منذ سنة 1985. وعُززت سياسات الحصار على المخيمات بعد انتهاء الحرب اللبنانية، في ظل حكم نظام الأسد الطويل في لبنان الذي شجع حكما لبنانيا متعاليا على الفلسطينيين. ولا يزال أكبر مخيمين فلسطينيين في لبنان، عين الحلوة ونهر البارد، محاصرين رسميا بالأسلاك الشائكة والحواجز العسكرية والتصاريح.

سورية الأسد لم تقاتل إسرائيل فعليا منذ سنة 1974. مصر السادات ومبارك وثقوا العلاقات بإسرائيل بعد كامب ديفيد. والأردن الملكية منسحبة كليا منذ إقالة قائد الجيش الأردني، مشهور حديثة الجازي، بسبب مخالفته الأوامر ومشاركته إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين في صدّ الهجوم الاسرائيلي في معركة الكرامة سنة 1968، وما تلاه من تصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن. كان على المقاومات الفلسطينية واللبنانية ان تقارع دولة بقوة إسرائيل المدعومة من أميركا، لوحدها، وأن تدفع ثمن أهوال الحروب، بل أن تتقوقع، مع غياب المدى والأفق الواسعين في سورية ومصر، وأن تنتهي تصارع بعضها البعض في هويات تزداد تفتتا وتقوقعا كل يوم، ووسط محاولات لا تنتهي للتلاعب بها من أجل تعزيز هيمنة نظام الأسد. مرّت مراحل طويلة في زنزانات الهويات المعزولة.

في الثورة السورية الحالية، الشهيد الحموي ابراهيم القاشوش، رمز غناء الثورة الشعبي، كان يهتف خلفه المتظاهرون بأعلى صوتهم في حماة: “ويا بشار حاجه تدور، ودمك بحماة مهدور، وخطأك مانو مغفور.. ويلا ارحل يا بشار/ …./ ويا ماهر ويا جبان ويا عميل الامريكان الشعب السوري ما بنهان”. صحيح ان الثورة غير مطالبة الآن، مثل ثورة مصر وتونس وغيرهما، أن تضع المسألة الوطنية، في العلاقة مع إسرائيل مثلا، كواحدة من أولولياتها، فإن يافطات، وشعارات، وهتافات الثورة السورية عن الجولان وفلسطين تتنافس في الإبداع. من بينها رسالة من الجولان للأسد انه اذا كان علينا ان نشتمك لترسل دباباتك الى الجولان لتحررنا من العصابات الاسرائيلية المسلحة، فياالله ارحل يا بشار. أو ذاك الشعار الذي وجه الحديث إلى فلسطين ان ثورتنا هي ثورتك. أما عبارة “بائع الجولان” او “ابن بائع الجولان” هي واحدة من الهتافات الاكثر شعبية في الثورة السورية. ومثل هذه الشعارات والهتافات لا تعدّ ولا تحصى.

بعد كل ذلك، يأتي من ينتقص من وطنية الثورة السورية وباحساس الكرامة الشخصي والوطني للسوريين، ويقول انه متخوف على نظام ما بعد الأسد في العلاقة مع فلسطين! هذه الأقوال تتناسى أيضا الأجواء العامة الفلسطينية في سورية، خارج أطر التنظيمات المحكومة بالديبلوماسية أو بالمصالح. وتتناسى استشهاد فلسطينيين مؤازين للثورة السورية الحالية، سواء بسبب مشاركتهم في مظاهرات أو بسبب المساعدات الغذائية والطبية والانسانية (مثلما حدث مع مخيم درعا). ورأينا مقاطع “يوتيوب” لتشييع بعضهم في مخيم اليرموك يهتفون هنافات الثورة السورية. وثمة عشرات المعتقلين غير المعروف عددهم (نشرت لائحة باسم أكثر من ستين منهم قبل ثلاثة أشهر)، وهم يضافون إلى مئات المعتقلين الفلسطينيين السابقين. فقد أهدى النظام اسم “فرع فلسطين” لواحد من أعتى معتقلاته الأمنية. وخرجت تواقيع مثقفين فلسطينيين بارزين تؤيد الثورة السورية، وعشرات المدونين الفلسطينيين والفلسطينيات تضامنوا مثلا مع اعتقال المدونة رزان غزاوي. وخرجت مظاهرات حاشدة في رام الله تأييدا للثورة السورية. ومؤخرا، أسست “تنسيقية مخيم اليرموك” لدعم الثورة السورية.

الذاكرة اليوم في سورية متوهجة. إنها عاصية على الغياب. في كانون الأول/ ديسمبر 1947، نصب مكبر الصوت على ساحة العاصي في حماة، وبدأت الدعوة للمتطوعين من حماة وريفها للتوجه إلى فلسطين. ينقل أكرم الحوراني (عن صحيفة ) في مذكراته- وهو الذي كان نائبا حينها ولم يثق بالسياسات الرسمية العربية بما فيها سياسة بلده- أجواء الإقبال على التطوع: “افتتحت مراكز التطوع ابوابها في الساعة الثامنة صباحا، وكانت الجماهير محتشدة على الابواب بكثرة وهم يتسابقون لتسجيل اسمائهم”. ووصل أول فوج من حماة، فرقة بدر، إلى الشام في 18 كانون الأول، وكانوا من المشاركين في ثورة حماة سنة 1945 ضد الفرنسيين أو في ثورة 1936 في فلسطين التي جاءها متطوعون من حماة وريفها أيضا. وقبيل مغادرة حماة وصفت صحيفة النصر التجمع المتجه إلى فلسطين: “وما أن التأم الفوج حتى غصت ساحة العاصي بالمودعين من رجال ونساء، وتوقفت حركة السير، وخاصة عندما ركب المجاهدون سياراتهم الثلاث الكبيرة، وشرع الناس يهللون ويكبرون والنساء يزغردن: لعينيك يا فلسطين..”.

هذا المنشور نشر في Graffiti | غرافيتي, Lebanon | لبنان, Palestine | فلسطين, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على حماة، وذاكرتنا المشتركة

  1. يقول الشامي الحموي:

    والنعم من الحموية والله والنصر والحرية لسورية وفلسطين العزيزة (الشام)
    والحموية مستعدون ليقدمو كل غالي ونفيس فداءا لفلسطين وللبنان (شامنا)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s