عن مبنى الأشرفية، سياسات الدولة والمصلحة العامة

جرى نقاش إلكتروني أمس عن خلفية إنهيار مبنى الأشرفية الذي أدى الى مقتل 27 شخص (حتى الآن) من السكان. بالفعل، ولّدت هذه الحادثة غضباً كبيراً عند العديد من الشباب اللبناني. البعض عبّر عن إستيائه من تعامل الإعلام اللبناني الرديء مع الحادثة، كالإعلان مباشرةً عن أسماء القتلى دون إعلام أهاليهم مسبقاً ودون إستشارتهم. او عدم لفظ أسماء الضحايا الغير لبنانيين والإكتفاء بالقول “خادمة فيلبينية”! والبعض إشمأز من الإستعراض البائس الذي قام به رجال السياسة والنواب الذين توجهوا الى موقع الحادثة. والكثير عبر عن غضب من حالة أوسع نعيشها في مدينتنا: مباني قديمة مهترئة، ورش بناء تنبع في كل حارة وكل حيّ، مباني جميلة تهدم، وأبراج تدشن.

غرافيتي "بجيب عيلتي وبسكن هون" على سور ورشة برج جديد لتاجر البناء جميل إبراهيم، منطقة الأشرفية. تاريخ إلتقاط الصورة أيلول 2011

النقاش حول إنهيار مبنى الأشرفية طبعاً متعدد الخلفيات وربما متعدد الأسباب، ويتطلب تحقيق جدّي وتقني مستقل لفهم ما جرى. لكن من المؤكد ان مأساة السكن في بيروت مرتبطة بالواقع العمراني والقانوني والسياسي الذي وصلنا إليه.

في ما يلي، سنقدم خلفية مختصرة عن هذا الحوار الدائم في بيروت عن الهدم والقديم والحديث والأبراج والتراث.

الكلام الإعلامي يتكاثف ويتزايد ويضع الحادثة ضمن إطار الفوضى وعدم تطبيق القانون وتحويل النقاش نحو مأساة المباني القديمة.

الجميع على صواب في فتح نقاش عن المدينة بأكملها عند إنهيار مبنى وتسببه في مقتل أشخاص. فكلنا شهود عيان على ورشة بناء كبيرة مستمرة إسمها بيروت، ورشة تهدم القديم وتستبدله بأبراج، ورشة تدخل الأحياء الضيقة ولا تأبه لخصائصها أو لحاضرها أو لتاريخها.

لماذا أصلاً تُهدم مباني قديمة في بيروت؟ لماذا فورة العمار نحو أبراج طويلة في كل شارع وكل زاروب، من دون الأخذ بعين الإعتبار شكل الحيّ وتركيبته العمرانية والإجتماعية والتاريخية؟

 سنركز نقاشنا ليس على “الفوضى وعدم تطبيق القانون” وإنما على إشكالية القانون بحد ذاته وسياسات الدولة التنموية.

نقاش الأبنية القديمة والتاريخية وقانون الإيجار

في محاولة لفهم أسباب إنهيار مبنى سفوح، عدد كبير من المدونين ألقى اللوم على قانون الأيجارات القديم، مثل هذا المقال. ومن ذات المنطلق، تحرك “تجمع مالكي الأبنية المؤجرة في لبنان” ليعلن عن اعتصام مقرر في ٢ شباط يطالب بـ “إصدار قانون الايجارات فورا وتحريره، لنتمكن من اعادة اعمار ابنيتنا بالطريقة السليمة والقانونية”، كما صرحت لجنة الدفاع عن حقوق المالكين القدامى أن “المالك لا يتقاضى الايجار العادل كي يقوم باعمال الصيانة”. فإذا، تصحيح الايجارات هو المطلوب “فيما اسعار الاراضي العقارية والشقق الجديدة الى مزيد من الارتفاع، في ظل اهمال حقوق المالكين القدامى”.

من ناحية اخرى، لقد تسبب قانون الإيجار القديم بهدم مباني كثيرة، كون ذلك أحد شروط إخلاء المستأجرين، مما يسمح عندها للمالك باستعادة ملكيته الخاصة المسلوبة، التي يصونها الدستور، والتي أصبحت لا تثمّن في ظل المضاربة العقارية.

ما يُلفت النظر هنا هو أن المالكين القدامى كانوا قد رفعوا الصوت سابقاً عند مسوحات متتالية لتصنيف الأبنية التاريخية الأثرية في بيروت وتبرأوا من صفة «تراثية» تصبغ أملاكهم الخاصة التي تقيّد إمكانية الاستفادة من العقار. وفي ذلك الوقت حصل لغط أكثر، حيث اعتبر طرف بناء ما خطراً على السلامة العامة فوجب هدمه، بينما قام بتجميد هدمه طرف آخر «بحجة انه تراثي»! وتجاوب المجلس الأعلى للتنظيم المدني مع مطالب المالكين فحرّر ما يقارب نصف العقارات التي تم مسحها وكان مجموعها ١٠١٦ عقار (هناء علم الدين). بعدها لم يهدأ للمالكين القدامى بال واعتبروا أن المسوحات المتعددة ما هي الًا مؤشّر على عدم مهنية وجديّة الدولة ورفضوا أن يكونوا “مكسر عصا” التراث في بيروت الذي إن كان له معنى أو طعمة فقد كان متجسداً في البلد (وسط بيروت) الذي لا يشبه شيئاً الآن.

المالكون يسألون: “اين الدولة التي من واجبها صون الدستور وحماية حقوق اللبنانيين بالملكية الفردية، وتأمين العدالة الاجتماعية للمالك”؟ وقد كان هنالك من سأل المالكين من قبل – ممن كان يعمل لصالح قانون يحمي الأبنية التراثية من الإنقراض – رافضاً تهمهم بمصادرة الممتلكات: «هل تعتقدون انكم تملكون الهواء؟». وهذا يشير الى صلاحية التنظيم المدني في تحديد عامل الاستثمار العامودي وفقاً للمصلحة العامة دون أن يعتبر ذلك مساس بالملكية الخاصة وانتهاكاً للدستور. وقد كان هذا الإنذار كفيل بأن تُهدم مباني تاريخية في بيروت كثيرة عند إلحاح المقاولين قبل أن يصدر أي قانون يصونها ويحفظها. فالمباني البديلة لن تمللك الهواء فقط إنما السماء أيضاً.

ولكن ماذا تقول الدولة للمالك الذي لا يرى أية قيمة في بناءه، ليس فقط لأن من يشغله مستأجر قديم بل لأنه يرى القيمة المادية الذي يحمله عقاره عندما ينظر الى السماء. فماذا نقول عن المباني المهجورة والشقق الخالية في بيروت التي لا تريد أن تلفت نظر مستأجرين جدد بل تفضّل الانتظار حيثما يتم التعامل مع تعددية الميراث ومع المقاول المهتم؟  في ظل سياسات الدولة طبعاً سيطالب أصحاب الملك  بـ «العدالة الإجتماعية للمالك» فقط!

فماذا عن الأبنية الجديدة؟

وضمن الآراء أيضاً حول أسباب إنهيار مبنى سفوح، مصادر اخرى (عبر معارف وسكان من الحي) أشارت الى إحتمال ان سبب الإنهيار هو ورشة البناء الموازية له. فعبروا انه من الممكن ان الحفر للورشة الجديدة المجاورة أثّر على أساسات المبنى ولعب دور في إنهياره. مقابلة مع أحد سكان الحيّ أظهرت ان المبنى بدأ بالتخلخل الشهر الفائت عندما انهار عامود وتم تدعيم سقفه عبر دعمات حديدية مؤقتة (أي بطريقة غير مستدامة). وأوضح الشاب ان السكان أُعلموا بخطورة المبنى آنذاك.

كيفما ننظر في بيروت، نرى مباني طويلة تنبع في مكان بيوت قديمة او مساحات خضراء او ملاعب أطفال. كما نرى قبل ان ينتصب المبنى حفرة غميقة كأنها تبحث عن قاع الأرض. هذا ناهيك عن ما نسمع وما نشعر من ارتجاجات. مشهد “الإعمار” أصبح جزء من صورة بيروت.

اذا دققنا في نوعية المباني الجديدة التي تدشن، نرى ان “أكثريتها مكونة من شقق فخمة – بحسب ترتيب السوق العقاري – بمساحة ما فوق 375 متر مربع وسعر يتراوح بين 3000 و 10,000 دولار للمتر المربع – أرقام عالية جداً في بلد الحد الأدنى للأجور فيه 350 دولار في الشهر” (المصدر: كراينن، فواز، 2010).

مشهد الأبراج في بيروت أصبح جزء من ذاكرتنا الجماعية عن المدينة – صورة لبيروت تحاول السياسات ان ترسخها في أذهاننا – صورة بيروت / دبي.

كثيرون يعتقدون ان هذه التركيبة الجديدة لمدينة بيروت هي نتيجة ان “السوق هيك بدو”. ولكن دراسات عديدة تظهر بان السلطة السياسية ركّبت إطاراً قانونياً وشجعت من خلاله وجهة التطوير العقاري نحو بناء الأبراج.

أولاً، قانون البناء الحالي الصادر سنة 2004 أعطى تسهيلات وتحفيزات هائلة لتجار البناء عبر تغيير أساسي في عامل الإستثمار العقاري الى ضعف ما كان عليه من قبل. مساعدة تجار البناء تدشين مباني أعلى – لأن الطوابق العالية ربحها أكبر بكثير – تم تطبيقه من خلال تعديلات جذرية في قانون البناء الجديد 646/2004. (كراينن، فواز)

بالإضافة الى تقديم هذه التسهيلات في عملية البناء، لقد تمكن تجار البناء (من خلال نفوذهم وشبكاتهم السياسية) من تشكيل “إتحاد تجار البناء” – لجنة مكونة من تجار بناء ذات إرتباطات سياسية قامت بنفسها بكتابة أجزاء أساسية من قانون بناء 2004. قام تجار البناء بصياغة القانون على حسب مصالحهم وممارساتهم في البناء ولتحقيق رغبتهم في البناء أعلى وأعلى وأعلى. (المصدر مقابلة مع مدير إتحاد تجار البناء)

أما من الناحية الإجرائية، فأكثرية المشاريع المنفذة في بيروت الإدارية تحال الى المجلس الأعلى للتنظيم المدني الذي يتعاطى معها بشكل حالات فردية، على أساس “إستثنائات”، متخطيين بذلك “مصلحة الهندسة في بلدية بيروت” المكلفة رسمياً بإصدار رخص البناء. تجار البناء يستفيدون من الصيغة الجديدة المبهمة لإصدار الرخص التي يسمح بها القانون الجديد – قانون فُبرك لأن يكون مبهماً لكي تكون عملية الترخيص حافلة بالإستثنائات ولكي يُركب كل مبنى على مقياس تاجر بنائه. (كراينن، فواز)

ولكن إرتكازاً الى أي معايير تصدر الرخص من المجلس الأعلى؟ جوابهم هو “المصلحة العامة”.

وبالتالي ما يوصف بأنه “المصلحة العامة” مرتبط بمصالح او مواقع من هم في دائرة إتخاذ القرار، وأيضاً مرتبط بالنظرة السائدة اتجاه التخطيط المُدني. فمن هنا تأتي “بيروت مدينة عريقة للمستقبل” وتأتي سوليدير وتأتي إعلانات عن أبراج بيروت وعن السهر البراق على أسطحها.

ضمن هكذا إطار لسياسات تنموية تعمل لصالح طبقة رجال الأعمال وتتجاهل حاجة سكان بيروت الى سكن بأسعار معقولة، فهل نلوم الناس على العيش في مباني مهترئة؟

السؤال الأهم هو: اذا كان قد تم إبلاغ سكان مبنى الأشرفية ان المبنى معرض للإنهيار، لماذا “إختاروا” البقاء في بيوتهم؟ كلمة “إختيار” غير بريئة وتساهم في غض النظر عن التفاوتات الإجتماعية والمعيشية القائمة في مجتمعنا. عندما علم السكان ان مبناهم سوف ينهار، لم يكن لديهم خيار سوى ان يبقوا في بيوتهم! ومن هنا، النقاش عن ضعف مؤسسات الدولة او عن عدم وجود الدولة لا جدوى له! فنحن على إدراك منذ زمن طويل ان مؤسسات الدولة غائبة وفاسدة، ولم يتغير شيء في هذا الصدد. ولكن ما نشهده اليوم هو تغيير جذري وكارثي في مدينتنا: ليس فقط ان من وُلد وترعرع وعاش وعمل في بيروت لم يعد قادر على الحفاظ على بيته، بل ان البيوت الرخيصة المتبقية تنهار على رؤوس أهاليها! السبب ليس أن الوضع تُرك لمنافسة السوق العقاري، بل لأن السياسات التنموية أنتجت حالة حيث قيمة الأراضي تمنع أصلاً إحتمال وجود سوق إسكاني خارج إطار الأبراج. وحيث تم تجريد الأرض والملكية من قيمتها الإجتماعية. وهذه حالة جديدة ولا يجب ان نعتبرها تحصيل حاصل أو أمر مفروغ منه.

هناك من كتب على الجدران “بيروت ليست دبي”. ومن هذا المنطلق، فإن قوانيننا وسياساتنا يجب ان تعبّر عن “المصلحة العامة” كما نريد نحن ان نعرّفها. هذه دعوة للعمل في هذا الإتجاه.

شعار "بيروت ليست دبي" في نفق برج المر

هذا المنشور نشر في Authority | السلطة, Graffiti | غرافيتي, Lebanon | لبنان. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على عن مبنى الأشرفية، سياسات الدولة والمصلحة العامة

  1. تنبيه: إنهيار مبنى وإجراءات سلطة | جدران بيروت

  2. يقول salam boutros:

    kanoun alajarat for one building ajar kadim we will the father after the son for leberation the contract he
    need 80.000dollars to leave the house how is the owner

  3. تنبيه: Special Dedicace | geonafsiya

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s