الإنتقال من مشهد الى آخر

شعر كل فردٍ منا بإحباط وإشمئزاز كبيرين بعد ذلك اللقاء المشؤوم الذي جرى في مسرح بيروت في شهر آذار الفائت كجزء من الاجتماعات العامة من أجل حراك “إسقاط النظام الطائفي“. شعر آنذاك الحضور بعدم حرية التحرك، بالإنقسام، بعدم نضج المطلب، بسيطرة المنطق الحزبي، بعدم الديمقراطية في النقاش، بهواجس حروبنا النفسية، والأهم، بضرورة تغيير سبُل نشاطنا السياسي.

أتى لقاء يوم السبت ۳ كانون الأول في مسرح بابل ليقول أن طريقة مختلفة للعمل الجماعي ممكنة. أتت مجموعة من الشباب والصبايا المستقلين لتعبّر عن أملها بالتغيير وانه بإمكاننا ان نتعلم من أخطائنا في النشاط السياسي لنبدأ بالعمل على قضية من بين ألف قضية وقضية في هذا البلد. هم أفراد شاركوا في حراك شهر شباط ۲۰۱۱ (ما بقى بدي سميه إسقاط النظام الطائفي) وخرجوا منه على قناعة ان هناك ضرورة للعمل ولكن ليس بالشكل او الإطار الذي جرى فيه العمل سابقاً.

اللقاء العام في مسرح بابل كان من أجل إطلاق حملة شبابية حقوقية من شأنها ان تعمل على انتزاع حقوقنا الأساسية المنتهكة في لبنان، بشعار “شو حقك؟”. ارتكز اللقاء على مداخلات من قِبل شباب تحدثوا عن تجاربهم الشخصية، ومن قبل خبراء في مجالات مختلفة، جميعها ضمن إطار سلة حقوق تم تحديدها: الحق في العمل، الحق في تغطية صحية شاملة، الحق في نظام ضريبي عادل، الحق في شبكة نقل عام، وضبط للإحتكارات. ركزوا في حديثهم ان جميع هذه المطالب هي عبارة عن حقوق للمواطن والمواطنة وليست امتيازات. هدف الحملة “إسترتاد هذه الحقوق المسلوبة من قبل السلطة، هذه السلطة التي تخلت عن دورها في العمل من أجل الخير العام عبر نقل الدولة ومؤسساتها من منطق خدمة المواطن وحماية حقوقه إلى منطق سلبه حقوقه واعادتها فتاتاً على شكل امتيازات ومنافع و تبعية عبر المحسوبيات والمحاصصات الطائفية التي تشل البلد وتمنع تقدمه”.

يتابعون سؤال “شو حقك؟” بشعار “حقي عليي” لأنهم يؤمنون “بأن هناك مسؤولية تقع على كل شاب ومواطن من أجل السعي والتحرك بهدف إنتزاع حقوقه الاجتماعية”.

شرح الشباب على موقعهم الإلكتروني ان طرحهم يستند على وسائل متعددة، منها نشر المعرفة في هذه الملفات عبر حقائق وأرقام، فضح ممارسات السلطة، حشد مواطنين مجتمعين حول فكرة سلة الحقوق، وممارسة الضغط على السلطة من أجل إنتزاع هذه الحقوق.

المداخلات
القاعة كانت ممتلئة في انطلاق حملة “شو حقك”. ربما لأننا أردنا مبادرة، أي مبادرة، ربما كان لدينا رغبة في ان نسمع، وان نتكلم بهدوء. وهذا ما جرى فعلاً. كنا هادئين. استمعنا.

تحدث جاد شعبان عن أسباب عدم توفر فرص عمل. قال ان الدولة لم تضع جهد في توفير وظائف إلّا في قطاع الأمن. ففي آخر عشر سنوات تضاعف عدد رجال الأمن في لبنان! تحدث أيضاً عن الإحتكارات، فوضح اننا نستورد 80% من الإستهلاك ونعاني من احتكار تام على الأكل والاستشفاء. وشبّه جاد الزعيم بالأخطبوط، لديه أيدي كثيرة وطويلة تطال كل شيء. الزعيم مثلاً يهوّل بالأمن لترويج تجارة السلاح الذي هو قطاع مربح له.

تحدث من بعده كمال حمدان عن الحق في الضمان الإجتماعي قائلاً بأن هناك خلل بنيوي في مجال الصحة  والحل في تطبيق نظام وطني للحماية الصحية وان لا يعود تمويل هذه الخدمة لمن هو مسجل فقط.

ثم كانت مداخلة نزار صاغية الذي نقد فكرة إلقاء اللوم على “النظام الطائفي” فيما أساس المشكل بهذا النظام الذي نعيشه هو العفو عن الزعماء السياسيين المجرمين عند إنتهاء الحرب الأهلية. هو النظام الزعاماتي الذي سلب حقنا في ان نكون “داخل المدينة”، في ان يكون كل مواطن ومواطنة محور سنّ القوانين والسياسات. فهجرة الشباب على سبيل المثال تحوّل في ظل هذا النظام الى مشروع متّصل بإشكالات الزعماء (كالإحباط المسيحي والإحباط السني والإستهداف الشيعي، الخ). تحوّل موضوع هجرة الشباب الى خطاب سياسي بدل ان يكون مشكلة ذات حلول متاحة.

هواجس

جميعنا أتى الى اللقاء مع هواجس. هواجس حملناها من حراك شهر شباط، وهواجس نعيشها اليوم مع إزدياد مشاعر الإشمئزاز من هذا البلد البعيد عن ثورات محيطه العربي. فكان هناك من عبّرت عن ضرورة إبتعادنا عن الأحزاب المشاركة في النظام، ومن عبّر عن استيائه من هكذا لقاء فقال “الناس بتعرف انو حقوقها منتهكة، فشو بتفيد هيك حملة”. وهناك من قال انه علينا البدء بالقول بصراحة أننا ضد جميع الزعماء، بأسمائهم، مهما كانت انتمائاتهم دون اعتبارات. وآخر عبّر عن اننا قلّة في هذا البلد وأكثرية الناس “ماشية ورا طوائفها وزعمائها، فكيف بدنا نغيّر هول الناس؟”

صحيح ان الجميع على علم بانتهاكات النظام والزعماء لحقوقنا، والجميع على إدراك بالفساد والقضايا المختلفة، ولكن هذه المعرفة تبقى على صعيد فردي. “فاليوم نحن قادرين على ايجاد الحلول “الفردية”، لمشاكلنا العامة باتقان نُحسد عليه. فكل مواطن لبناني، تخطى مرحلة اضاءة الشموع عند انقطاع الكهرباء، ويعرف على الأقل كيف يشغل مولداً صغيراً، وكيف يستخدم بطارية سيارته ليشاهد المسلسل“. ولكن لم نفكر بمطالبة عامة لمشاكلنا. ان تصبح هذه المعرفة نقاش وان تأخذ منحى عام، فهنا تأتي أهميتها.

لقاء يوم السبت هو من أجل جمع أفراد مهتمين بالشأن العام للتفكير سوية بكيفية العمل على حملات حقوقية: تجميع معلومات وأبحاث مرتبطة بحقوقنا الأساسية وإخراجها بوسائل مختلفة كي يتم طرحها في العام، كي تصل الى عدد أكبر من الناس…. الى ان تصدر “ضجة” كافية للتحرك في الشارع. فكما أوضح جاد شعبان: قانون طبابة شامل يضرب النظام، وقانون حماية مستهلك يضرب النظام، والخ. عملية إسقاط النظام بالنسبة لنزار صاغية بسيطة: ان يقول كل مواطن “انا في وسط المدينة” والقيام بالدفاع عن حقوقه/ا بدل من الدفاع عن الزعيم.

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s