شعار “نريد ثورة جنسية” من بيروت

شعار "نريد ثورة جنسية" على حائط نزلة السارولا، الحمرا. تاريخ إلتقاط الصورة: 23 أيلول 2011

شعار "نريد ثورة جنسية" على حائط نزلة السارولا، الحمرا. تاريخ إلتقاط الصورة: 23 أيلول 2011

ظهرت غرافيتي “نريد ثورة جنسية” على جدار في بيروت وكأنها تحاول أن تعيد الاعتبار لبيروت وسط هذه الثورات العربية. ففي وقت تبدو فيه بيروت بعيدة عن هذه الأجواء العربية الثورية، بطيئة ومتثاقلة، يأتي شعار صغير على جدار ليعيد الدور الذي لعبته سابقا بيروت في كونها مكانا حرا يفتح نقاشات عربية حيوية.
بعيدا عمّا يثيره من ترحيب أو استياء، لا بدّ أن الشعار سوف يستوقف من يراه. ربما يشعر من يراه أو تراه وتتساءل: هل أريد/نريد ثورة جنسية؟ “الشعب” اختفى من الشعار “الشعب يريد…”، فهو شعار فردي ولكنه كتب بصيغة الجمع “نريد”.
هذه هي الثورة تفتح أبوبا لا يمكن غلقها. الثورة لا تسقط أنظمة سياسية فحسب بل تطرح اسئلة فعلية على المجتمع الراكد، وهنا أهمية الثورات.
لا بدّ وأن من كتب أو كتبت الشعار يعيش في أجواء الحمرا. لكن الحمرا معروفة بانفتاحها، بمقاهيها، بصبايا وشباب يتسكعن بحرية، ويقمن علاقات حب وجنسية حرّة، ويساكنون بعضهن البعض في بيروت بلا زواج في كثير من الحالات. وهي منطقة تنتشر فيها مقولة “الكل بلف ع الكل”. الحمرا هي واحدة من أكثر الأحياء انفتاحاً، لكنها تريد “ثورة” “جنسية” على ما يقترح الشعار.
لا يقول الشعار ما هي هذه الثورة الجنسية التي يريدها.نهايتها مفتوحة وتحيل إلى أن هناك من ستتابع الجملة، وكل على طريقتها وحتى وإن رفضتها وقالت “لا”. وإن لم تشهر هذه الـ”لا”، فهل هي مجرد حرية ممارسة الجنس مع شريك؟ هل هي ثورة في الجنس والعلاقة نفسها؟ هل هي تعدّد علاقات جنسية؟ وغيرها من الأسئلة. يبدو الشعار، من هذه الوجهة، أكثر التباسا ولكن أكثر انفتاحا من الشعار الشاعري والموسيقي والفعلي “الشعب. يريد. إسقاط النظام”.
ظهر الشعار  في نزلة السارولا، في شارع يبدأ بقهوة وفندق، يمر بصحيفة، إلى جانب مقر زعيم حزب، ويصل إلى قهوة ومسرح، فينتهي في شارع الحمرا ليتوه فيه. وكأن الشعار يطرح السؤال على رواد كل هذه الأماكن. إنها الحمرا التي تتوالد فيها الخمارات كل ليلة، فشكلت لتزاحمها أزقة وحارات: حارة دانيز، وحارة بوبو..
من لا يتابع النزول في الشارع، مثل مرافقي زعيم يقطن هناك فينتظرون إشارة من زعيمهم في كيف سيدعم النظام هنا وهناك، ربما يعيد الإنسانية إليهم وهم يسألون أنفسهم أسئلة تنطلق من دواخلهم لا من اتباع أيديولوجيا الزعيم، رجل الدين، ربّ العمل، الأستاذ، رجل الأمن، الأب، الزوج، وسياساتهم. هنا يبدأ الخوف يتلاشى من كل هؤلاء في التساءل والتأمل من الداخل بحرية.
من يتابع النزول مع الشعار ويصل إلى مسرح بابل، فسيلتقي هناك بفاروق مردم بك وهو يجلس في المسرح ويلقي مداخلة عن ثورة العام 1968 في باريس وأوروبا. قال إن تلك الثورات قامت بثورة جنسية، ولكنه تساءل: هل هذه الثورة جاءت من تحرّر فعلي؟
ثورة 1968، في تلك الأجواء الستينية الثورية حول العالم، أنجزت أول ثورة جنسية في العديد من المدن والبلدان وعلى إيقاع تحرّر ثوري. حملت هذه الأجواء الستينية أسئلة ثقافية عميقة ساءلت المجتمعات ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، ولا تزال آثارها واضحة وحققت إنجازات فعلية علما أن الثورة نفسها لم تنجح آنذاك في كثير من البلدان. لكن فاروق مردم بك شاكس الثورة بالتساءل: هل حملّت تحرّرا يليق بالطموح الثوري الجنسي؟ كان يقترب من الأجابة بـ”لا”.
 الحرية الجنسية تريد تحررا فعليا من الداخل لا في الجنس وحده؟ وتريد تحررا من الخارج متمثلة في سلطات ذكورية سياسية واجتماعية ودينية. وفي الجنس نفسه، كم امرأة تصل إلى ذروتها الجنسية، وبتكرار؟ وإلى ذروتيها؟ هذا سؤال صغير يشاكس كليشيه الحرية الجنسية. ومنها نصل إلى أسئلة أكبر فأكبر: كم تعطي هذه العلاقات الجنسية نسمات تستمر وتستمر فلا تنتهي بعراك فخصام؟! كيف يتحرر الحب من محرمات الجنس؟ 
 هناك من أشار، بلؤم، إلى أن حمرا الخمّارات والتحرر الجنسي هي انفجار، لا ثورة، يشبه الانفجارات التي تتوالد في بيروت ولبنان! ولعلّ بدء “انفجار” الخمّارات في الحمرا بدأ في العام 2006، ومنها كان عدد من تلك الخمارات/المقاهي الجديدة مسرحا لمتطوعين في حرب، ثم باتت الخمّارات والمقاهي قواعد حزبية متصارعة في النزاع الأهلي…  وعلى إيقاع حروب متتالية انفجرت الخمّارات. ويمكن الاستطراد كثيرا في هذا الجدل بالإشارة إلى أن ظاهرة الحروب تستتبع كحولا وجنسا أكثر على ما اشارت مسرحية.
هناك من يرى بأنه على العكس من الجدل السابق فإن هذا التعدّد في المقاهي والخمارات هو ردّ على ظاهرة الحروب نفسها، أو على ما قال أبو نواس “لقد شربت ثمانياً وثمانيا/ وثمان عشرة واثنتين واربعا” فوصف سهرة متواصلة ببيت شعر ليس فيه إلا تعداد ما شربه.
بأي حال، أين الكحول من تحررنا؟
بدأت صبية تسأل بعفوية رواد مقهى/خمارة في الحمرا، والكحول تدور في جسمها، ممن تعرفهن: ما رأيك بالجنس الجماعي؟ أول إجابة مستنكرة ومرتبكة وبردّة فعل. الثانية “نعم بجرّب”، الثالثة “حلو، بس أنا مش اجتماعية”، الرابعة “مشارك!”، الخامسة “مشاركة وبجيب معي ثلاثة!”، السادسة “ما بعرف”، …
السؤال حقيقي وأغلبية الإجابات كذلك. إنه مثل الشعار “نريد ثورة جنسية” بنهايته المفتوحة. فما كان من شخص إلا وأجاب: “بلا فلسفة زايدة. شو سؤال أكايديمي؟ هاي الدرج قريب اذا بدك!”، أي أنه قال بكلمات أخرى: إذا شفتي رجال هيجك، فانزوي به في أقرب بيت درج، شقة، مصعد بناية، حمّام، وانتعشي بأي وضعية تريدين، احذري ولكن لا تبالي! وخذي نفَس حرية طويل بعد الوصول إلى أجمل ذروة مخاطرة..
 التحرّر الجنسي يريد متحرّرين من الداخل. من ينزل في نزلة السارولا ويدخل إلى صحيفة “السفير” وسط الثورات العربية ويسأل عباس بيضون عن مقالته عن ثورة الستينيات في المنطقة العربية، فلن يكون جواب بيضون أفضل من جواب فاروق مردم بك. تحدث بيضون بصيغة شخصية عن كيف بدأ “التحرر” في الستينيات، فلبس الجينز الضيق الذي يظهر أعضاءه، رغم أنه شعر بأن هناك ما لا يريحه، لكن الجينز جينز، سمع فيروز رغم أنه شعر بأن في أذنيه وشّة، ولكن فيروز فيروز، استمع إلى عبد الناصر رغم أنه شعر بأن هناك ما لا يستسيعه في صوت ذاك الترازيستور الذي كان يحنله وخطابات عبد الناصر تلعلع، لكن عبد الناصر هو عبد الناصر. فأي تحرّر إذا لم يكن التحرّر يأتي من الداخل؟
هذا المنشور نشر في Graffiti | غرافيتي, Lebanon | لبنان. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على شعار “نريد ثورة جنسية” من بيروت

  1. يقول محمد شهم:

    هذه المناداة القوية والمدوية في سماء بيروت بفتح باب الحرية الجنسية على مصراعيه تنم عن نية مستيقظة با بعاد الاخلاق والدين من الحياة الاجتماعية والعيش مثل الحيوانات السائبة كما قال رسول الله-ص- =(لاتقوم الساعة حتى يتسافد الناس تسافد البهائم )يعني سينتشر الزنى بصفة علانية وامام مرأى أعين الناس وهذا سيكون في امة محمد-ص- وهذا ما يريد هؤلاء المفسدون الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الناس

  2. يقول Alia:

    محمد الجنس لا يعني الزنى. بدك تخفف بورنو صديقي.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s