قصة غريبة ۳ | ساقا حور وصرخة

هو نفسه تفاجأ من سلوكه، ومثل هذه المفاجآت كانت تعطي معنى لحياته. كلما تخطى حاجزا يبدو صلبا، حاجزا داخله يمتد ويلتقي مع حاجز خارجي، يشعر بانتعاش هائل.

ظلّ ينظر في عين رجل الأمن الذي يحمل جواز سفره، بعدما قال له: “هل تشعر نفسك مهما وأنت لا تقول لي ما القصة. ذهبت مرتين إلى الضابط وتحادثتما عن وضعي، من دون أن تردّ على سؤال واحد لي. هل هذا القناع الغامض الذي تلبسه يجعلك تشعر أنك مهم مع أنك مجرد ختيّم للجوازات تتلقى الأوامر ولا تعرف أن تحل مشكلة بنفسك؟”.

ما كان من رجل الأمن إلا أن تركه وتوجه إلى الضابط مرّة أخرى، ثم عاد مع الضابط الذي أبلغه: ممنوع من السفر. فردّ: “طز”، وابتسم. في الحقيقة، أراد أن يضحك بأعلى صوته، من دواخله. الضابط بدا كالأبله الذي لا يصدق ما يجري معه. أعطاه الجواز، وقال: ممنوع من السفر، وروح أحسن ما تنمنع من النوم ببيتك. فأعاد الكلمة: “طز”. لم يكن هناك تفسير منطقي لجعل الضابط لا يصعّد إلا أنه اعتقد أن هذا الشاب يملك واسطة كبيرة ليتمكن من الحديث معه بهذا الشكل.

غادر المطار والابتسامة مرتسمة على وجهه. شعر أن الغباء لا يمكن الردّ عليه إلا بمثل هذه الطريقة. دولة كرتونية تملك أكثر من جهاز استخبارات، وعشرات آلاف العيون التي تنظر كالصقور، لكنها صقور تضع نظارات شمس سوداء فوق عيونها. فيما لا تعرف عنه شيء، لا تعرف كيف يمكنه أن يفاجأها متى شاء، وبأي طريقة شاء، حتى وإن قبضوا عليه، فسيفاجئهم. حررته الفكرة من كل شيء.

هكذا بدا له كل شيء. والده، وزوجته التي ستصبح زوجته بعد أيام، وكل شيء.

لكن هذه القصة لم تنته بدورها بشكل يختلف عن سابقتها. فوالده الذي أصرّ على أن يتزوج “بنت حلال”، بعدما شكّ أنه “صايع ضايع”، تمكن من أن يدبّر له شابة عذراء جمالها خارق. فوافق!

كان يحبّ ان يفاجئ نفسه دائما، علّه يخرج من انحصار رتابة هذه الحياة قليلا فقط. فهو الشاب الممتهن لممارسة الجنس الجماعي، بوجود من يحب أو بعدم وجودها، أصابه فضول لذيذ خدّره وهو يتخيل امرأته الجميلة الرصينة العذراء، التي سيتمتع بها أسبوعا على الأقل قبل أن يدخلها إلى طقوس شلله وممارساتهم الجماعية. كان يضحك من ملء قلبه وهو يتخيّل الصدمة على وجه “بنت الحلال والحسب والنسب” ومعارفه يحيطون بها شاهرين قضبانهم من كل الجهات. تخيّل كيف ستحاول المقاومة مع أنها تذوب لتذوق كل هذه القضبان والوضعيات المتنوعة.

لكن هذه القصة انتهت أيضا مثل حادثة رجل أمن جوازات السفر. فقد رفض والد الفتاة الزواج فجأة بعدما زارهم في يوم مشمس بثيابه العادية. قرّر الوالد أنه لا يناسب مقامهم وعاداتهم، مثلما أخبره غاضبا وهو عندهم في البيت، فما كان من سليمان إلا أن خلع ثيابه أمام الوالد عاريا إلا من قطعة واحدة، فطرده الوالد وهو يهدّد ويتوعد، وقال له أيضا “طز”. وانتهت القصة.

تأمل كل هذا الغباء الذي يعتقد أنه يحيط به من كل مكان، وقرر أن هذا غباء كوني محتبس، ولا بدّ أن يخرج من مكان ما. وفي الذات عندما كان يطبع هذه الجملة على كمبيوتره، تلاشت الصفحة التي يكتب عليها بسبب فيروس مستبطن في جهاز الكمبيوتر. فضحك أيضا. أغلق غطاء كمبيوتره المحمول. وذهب إلى الساحة الصغيرة التي هي أمام غرفته، وأشعل الكمبيوتر. وصار يتأمله. سأله جاره، الذي مرّ بالصدفة: شو هالريحة يا جار؟! فردّ عليه: هذه رائحة الغباء الكوني، يعني ريحتي وريحتك، هي مزعجة بالبداية. بس مع الوقت بيكبر ثقب الأوزون، وبيتلاشى هالغباء الكوني من الثقب.

هزّ جاره رأسه بأسف وتابع سيره إلى البيت. وتمكن من سماع صوت امرأة جاره وهي تصرخ بتأفف: “يا ابو باسم، شو هالريحة اللي جايبها معك. يا ريتك بيوم من هالأيام يتدخل عليّ بوردة، ولك بكولونيا حلاقة، ما بتدخل إلا بهالروايح! حسبي الله ونعم الوكيل!”.

أنهى كتابة آخر كلمة في هذه القصة وهو يجلس في حديقة المشنوق، وشعر أن ما كتبه ليس إلا فيض من غيض. هناك الكثير في ثناياه الداخلية، أكثر بكثير مما هلوس في كتابة هذه القصة: سلوكه أمام الشرطي، الجنس الجماعي، قبولة بالزواج ليستمتع بزوجته أسبوعا، وحرق كمبيوتره.

خطر بباله أيضا أن هذه الأجهزة لو رأته يقرأ بكتاب “حياة كاترين م. الجنسية”، الذي وضعه إلى جانبه على المقعد، الصغير بحجم الجيب، زهري اللون، الذي يخترقه ثقب مفتاح يؤدي إلى جسد عار، لاتهموه بأنه من عبدة الشيطان!

ضمّ الدفتر الذي يكتب فيه، الأكبر من كف يده، وطواه، ثم رماه في سلة مهملات إلى جانبه. قام من على مقعد الباطون، ومشى على الإسفلت الرمادي. وقف، وتأمل الرمادي الفاتح. خطر في باله شعار عسكري “الرمادي حياة”. بدأت كلمات أغنية يعرفها تخرج من فمه دمدمة: في الساعة الثالثة من القرن الواحد والعشرين، لا شيء يفصل الموتى عن  أحذية المارة سوى الإسفلت.

وقف. تأمل للحظة كل هذه الأفكار، لحظة صافية صحبتها نسمة هواء خريفية، وشعر أنه سينهار. تمسك بساقي شجرتي حور، إحداهما إلى جانب الأخرى. ترك رأسه يتدلى. ثم رفع رأسه ببطء بعد دقيقتين، وصرخ بأعلى صوته كأنه في غابة بريّة: “كيف ممكن أكون إنسان؟ كيف؟! كل هالدّم الأحمر اللي بغطي الأرض، كل هالصراخ المعبي الفضا، كل هالدموع والعذاب، كل هالسجون، كل هالعلاقات الإنسانية، كل هالغباء، كيف ممكن أكون ….؟ أنا بسجن، أنا بسجن!”. وسقط.

هذا المنشور نشر في Authority | السلطة, Stories ا قصص. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على قصة غريبة ۳ | ساقا حور وصرخة

  1. يقول Salem:

    بتعجب لهالتشابه في الهوس الجنسي والإعجاب العارم بالعضو الذكوري والتركيز عليه بطرق مختلفة ومتشابهة في نفس الوقت وهو اللي بوحّد ما يسمى مناضل، كاتب هالأفكار، والجلاد اللي عم ينفذ الاعتداءات الجنسية خلال الاعتقالات في مصر وسورية. ليش يا هالترى التشابه بين “متحرر” عربي وجلاد عربي؟

    ومسألة تانية هي انه شو المشكلة في هذه الهلوسة الجنسية عند متأثر بـ “هالدم اللي بغطي الأرض،… هالدموع والعذاب، هالسجون” والتعذيب…. الجاري في العالم العربي. دايماً الثورات بترافقها طفرة شهوات جنسية عند الطرفين: “الثائر” مع رفاقه، مثل عند المعتدي خلال تنفيذ شغله بعقاب الثائرين!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s