قصة – الحمرا وخيالات حازم

كانت بيروت تستعد لليل وكان ظهورهم مفاجئا له. يدوس حازم سيجارته وينتظر السرفيس متمنيا السرعة والتوفيق في العودة الى المنزل سالما. لا يدري ان كان محقا في خوفه‫، او يستطيع السيطرة عليه. يستطيع ايّ كان في بيروت ان يتكلم عن هذا الشعور الغريب المتزايد؛ شعور سيفقد الناس عقولها. البعض يقول انه الطقس. آخرون يقولون انه الظلام الاتي من الشمال.
‎‫ينتظر السرفيس ويلوم نفسه؛ ماله ومال الثورات اللعينة اصلا. هو كان دائما من جماعة الهامش. يعيش على هامش الامور، هامش النشاط السياسي، هامش النشاط الثقافي، هامش الحمرا، هامش كل شيء، حتى وان كان يذهب الى الحمرا يوميا للتسكع تارة وللرفقة تارة. ماله ومال السفارة السورية. يخاف هو من الحروب  ومن العنف، يخاف من الكائنات المضادة للحرية.

مصاب خلال الثورة التونسية (المصدر sudilight.net)

رأى الكائنات هذه بأم عينيه، رآها تسيطر على اشخاص يعرفهم وتتلبسهم محكمة السيطرة عليهم.  ظهرت الكائنات هذه منذ فترة، وتعيش في منطقة الحمرا بشكل علني. في النهار يتجولون ويراقبون ويجمعون الصور، يسترقون السمع والبصر، وفي الليل يتحولون الى عملاء  الظلام‫.
‎أجرة سرفيسين الى الكولا فيجلس حازم ملكا في المقعد الخلفي ويستأذن السائق في السماح له بتدخين سيجارة. يصعد رجل معه طفلان خلفه. يرمي سيجارته ويلعن الساعة التي لم يقتن فيها سيارة. هذا هو الغباء، لم يشتر سيارة حين كان عمله وفيرا. “بسيطة”؛ كل شيء يحل اذا هدأت الامور. يتوقف السائق وتصعد فتاتان، فيود ان يصرخ بالسائق عن عدم سعة المقعد الخلفي، غير ان الرجل الجالس قربه عاجله بطفل: “قعود عند عمو يا بابا”. يبتسم حازم ويمسك الولد مثبتا إياه على حضنه. لمَ لمْ يهاجر بعد؟ هل سيقوم احد ما بمثل هذا الفعلة في اوروبا؟  المهم ان يصل الى البيت في صحة وسلامة.
‎ جلس قرب جدته في المنزل. تشاهد هي التلفاز وتشرب اركيلة عجمي‫. يتصبب عرقا. يحاول ان يتنفس اكثر. هو شاهد عيان؛ الكائنات هذه موجودة، حية وترزق، ما العمل؟ تصله رسالة نصية من صديقة: “السهرة ولعانة في الحمرا”. لا يجيب وكأنه سرا الذي يحمله. الخوف سر اذا لم يبح به، والخوف صديق النكران. الكائنات المضادة للحرية تفرض على منطقة بأكملها نكران ما يجري؛ تمشي في شارعهم وتدعي انك لم تشعر بعشرين عينا تراقب خطواتك، تسهر في الشارع وتدعي ان الشارع امان، وهو امان اذا كنت تريد الرقص والشرب والحديث عن كل ما تريد، الا عنهم. هم موجودون وغير موجودين. يعرفونك ولا تعرفهم.
‎يقوم ويغسل وجهه ويجلس على البلكون ويحاول ان يهدئ نفسه. يسأل نفسه ما اذا كان خائفا من الموت. يسأل نفسه ما اذا كان خائفا من الضرب؟ يسأل نفسه ما اذا كان خائفا من الكائنات المضادة للحرية؟ يسأل نفسه ما اذا كان حرا اصلا؟  بيت جدته مريح ودافئ. ينظر اليها تغط في سبات عميق على الكنبة، والمسلسل التركي يصدح في اجواء البيت. لم يعلم ان الكائنات هذه ستجعله عميقاً.
‎ما العمل؟ هل يعيش وهما؟ هل يعيش ما يشبه بداية قصة خيالية؟ يتصل بصديقة رأتهم، ويسألها عن احوالها؟ جيدة هي تحاول الكتابة عما يجري وتحضّر نفسها للخروج واكتشاف ليل الجميزة. يقفل الهاتف ويندم على الاتصال. الجميع يحاولون ممارسة حياتهم اليومية في مكانٍ آخر. ربما عليه فعل ذلك. يفتح الحاسوب وتعليقات الكائنات المضادة للحرية في كل صفحة. الظلام يمتد الى كل الفضاءات، الكائنات في تزايد مستمر. سيعاود ممارسة الحياة اليومية الطبيعية ولن يذهب الى الحمرا. فحسب الروايات الخيالية الشبيهة، ستمتد رقعة الظلام وستكون هناك المواجهة الكبرى. وفي تلك المواجهات عادة ينتصر الخير. أما في لبنان فسينتصر شيء اخر. لا يهم. الناس سترحل قريبا عن الحمرا وتتركها للكائنات المضادة، فليسهروا مع انفسهم ويحرسوا مبناهم. ففي الهجران قتل. عليه ان لا يخاف، يتنفس ويشرب بعض ماء، عليه ان لا يخاف. يشعل سيجارة ويلعن الساعة التي رآهم فيها، فقد اجبروه على التفكير في امور لم يعتقد انه من المسموح التفكير بها، ان يكون هو، شاب عادي، مصدرا للخوف ايضا.

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Stories ا قصص, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s