من نهر البارد إلى الرمل: ضباط الأمن و”السياسة” في المخيمات الفلسطينية

حدثت مجزرة أمس في مدينة اللاذقية، وقصف مخيم الرمل الفلسطيني أيضا لأن مسيرات سلمية كانت تخرج منه في الأشهر الماضية. علق شخص على هذا القصف قائلا: “من تل الزعتر، فحصار المخيمات فمخيم نهر البارد فقصف الرمل… من حب فلسطين ما قتل…”!

منذ البداية، حاولت الناطقة الرسمية السورية بثينة شعبان إقحام الموضوع الفلسطيني أمنيا في الثورة السورية. يصف الكاتب السوري بكر صدقي السياسة الخارجية السورية بالقول “أما السياسة بالإطلاق فهي السياسة الخارجية ويرسمها وينفذها الرئيس شخصياً بالاستعانة بعدد من الأدوات أهمها الأجهزة الأمنية قبل وزارة الخارجية. فوزير الخارجية في هذا النظام لا يعدو كونه حامل رسائل مكتوبة له سلفاً، في حين أن «العلاقات مع الدول» – دول الجوار خاصة – ترسم وتنفذ من قبل قادة الأجهزة الأمنية بسبب العقيدة غير المعلنة في العلاقات مع الدول الأخرى والقائمة على مبدأ لي الذراع من طريق الضغط بوسائل غير ديبلوماسية.”

لذا، لا غرابة أن ينتفض مخيم اليرموك في دمشق على النظام السوري وعلى الفصائل الفلسطينية حين قررت التراخي أو التواطؤ معه (“القيادة العامة” تحديدا)، ولا غرابة أن يوقع مثقفون فلسطينيون معروفون بيانا مع حرية الشعب السوري منذ بدايات الثورة، ولا نستغرب أن يخرج المئات مساء أول أمس في رام الله تضامنا مع الثورة السورية ورفضا لأن تكون طريق فلسطين تمر عبر دماء الشعب السوري.

منذ مجزرة درعا الأولى، سقط الشهيد الفلسطين وسام الغول إلى جانب الشهداء السوريين لأنه تبرع بالدم لمصاب سوري في المستشفى، ومدّ المخيم آنذاك درعا المحاصرة بالمساعدات الإنسانية والطبية فحاصره الشبيحة.

وفي لبنان، أليس غريبا أن يقوم ضباط الأمن والاستخبارات اللبنانيين على اختلاف فروعم بمهمة اجراء اتصالات ومحادثات سياسية واجتماعية وعمرانية في نهر البارد وبقية المخيمات الفلسطينية؟ هذا ما يدركه جيدا كل فلسطيني يتعاطى الشأن العام في المخيم وخارجه، وهذا ما قالته صراحة دراسة نشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية. بل أكثر من ذلك، فإن “السياسة” في نهر البارد والمخيمات تمر بمنظار أمني. وهذا ما يدركه من يتابع اشكاليات عديدة في نهر البارد الذي بات يشبهه البعض بـ”إمارة عسكرية”، مسيّج بالكامل بالأسلاك الشائكة عدا الحواجز والتصاريح الأمنية، وذلك بعدما أراد شاكر العبسي تحويله إلى امارة إسلامية عسكرية إثر خروجه من سجنه السوري فجأة.

الجيش والقوى الأمنية اللبنانية تصرح ان حلول الأزمات السياسية اللبنانية هو أمر سياسي يحله السياسيون، وتحاول أن تنأى عن إقحام نفسها بشدة في أمور السياسات والأزمات اللبنانية حتى الأمنية منها، رغم أنها تبقى نظاما عربيا بالمحصلة ولا يمكنها التعفف كليا عن ذلك.. فرؤساء الجمهورية مؤخرا هم من العسكر. أما في الشأن الفلسطيني فالأمر مختلف تماما.

منذ نهاية الحرب اللبنانية الأهلية جرت محاولة محادثات سياسية، وتسليم السلاح الفلسطيني والولوج في مفاوضات مدنية مع السياسيين اللبنانيين بما فيها الحقوق المدنية. لكن القرار عطل فجأة على ما قال في أكثر من مناسبة سياسيون فلسطينيون كانوا مشاركين بذاك الحوار في العام 1991. يبدو أن العقلية الأمنية السورية هي من كانت تشجع  مثل هذا التعامل الأمني مع المخيمات ومع الفلسطينيين، وهو ما يجد أرضية خصبة لدى السلطات الأمنية والسياسية اللبنانية التي تدربت على أيديها في التعامل مع الشأن الفلسطيني. طبعا، لا يمكن الاستهانة بتأثيرات الحرب الأهلية، أو التعاطي السابق في المخيمات قبل العام 1969 من قبل “المكتب الثاني”. لكن ثمة سياقات جديدة أيضا.

منذ أيام قليلة، تفاجأ نازحو بركسات مخيم نهر البارد بقوات أمنية مدججة تباغت بيوتهم بحثا عن… تراخيص غير قانونية لدراجات نارية.

 

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Palestine | فلسطين, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s