ظهور نموذج الشبيح-الصحافي وسط اعتصام متنوع وحاشد: مثال من جريدة “النهار”

هل يمكن أن يكون هناك شبيح صحافي في جريدة لبنانية رئيسية؟ هذا ما يبدو أنه حدث على إيقاع اعتصام ساحة الشهداء مساء 8 آب دعما لحرية الشعب السوري وكرامته و”انهاء كابوس ديكتاتورية الجمهورية الوراثية” في سورية، إذ عمل صحافي يدعى عباس صباغ على بث “خبريات” عن هجوم مزعوم للشبيحة. يبدو ان هدف هذه الاشاعات كان انهاء الاعتصام الذي دعا إليه مثقفون وصحافيون وفنانونون لبنانيون. وظهر أن صباغ يدفع بكل جهده تشجيع تجميع شبيحة “سياسيين ومثقفين وصحافيين” ليفشلوا اعتصام دعم الحرية في سورية، لكنه لم ينجح إلا عبر ظهور عدد قليل من أعضاء من حزب البعث (فرع لبنان) وبعض الشبيحة ممن وقفوا خلف القوى الأمنية يشتمون المتظاهرين، والذين اعتادت عليهم شوارع بيروت في الأشهر الماضية.

وعندما لم تنجح مهمة صباغ في إفشال الشبيحة للاعتصام، عاد وكتب بعد انتهاء الاعتصام في تغطيته لجريدة النهار تشويها للاعتصام، مما حدا بأحد موقعي البيان، حسام عيتاني، أن يطلب اعتذارا من جريدة “النهار” بسبب تغطية عباس صباغ قائلا “على جريدة “النهار” الاعتذار عن تغطيتها المعيبة للاعتصام التضامني”.

وكان صباغ قد كتب في “النهار” اليوم: “وتقدّم المعتصمين الوزير السابق حسن منيمنة والنائب احمد فتفت ونائب رئيس “تيار المستقبل” انطون اندراوس واعضاء من الامانة العامة لقوى 14 اذار وشخصيات اعلامية وفنية ونقابية”!. فقد شارك في الاعتصام عشرات المثقفين والصحافيين والفنانيين المعروفين من الصحف المختلفة ومن آراء متعددة، ونحو ألف من الشباب والشابات من انتماءات يسارية ومدنية وليبرالية، في أوسع مشاركة لبنانية متعددة كسرت جدار الصمت بشأن حرية سورية، لكن صباغ تعمد تعداد ثلاثة سياسيين وسط هذا التجمع الكبير والمتنوع وكتب أنهم “تقدموا المعتصمين” وذكر “اليسار الديمقراطي” تحديدا الذين شارك منهم شباب معدودون، من بين مئات اليساريين الذين شاركوا، علما أنه لم يتقدم المعتصمين أحد، ولم يكن هناك صفا مثلما اعتادت عليه الاعتصامات والمظاهرات السياسية، بل كان الاعتصام من أربع جهات حول أضلاع نصب الشهداء بلا مقدمة، إلا إذا ما اعتبرت مقدمة الاعتصام هي اللافتات وهتافات الشباب التي لم يتقدمها أحد غيرهم. ولم يلق أي بيان في الاعتصام.

وكان التدخل الوحيد الذي جرى من مطلقي الدعوة هو في نهاية الاعتصام عندما طلب الروائي الياس خوري الوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء حرية سورية، وإعلان فض الاعتصام تمام الساعة العاشرة مساء. كما أن منظمين شباب تمكنوا من الحفاظ على عدم رفع أي لافتة حزبية، فأنزلوا فورا علما لتيار “المستقبل” رفعه شاب من بين عشرة شباب بدا أنهم من تيار “المستقبل”، وظل المنظمون حولهم لأنهم شكّوا أنهم يريدون تجيير الاعتصام لطرف سياسي. وعندما أطلق أحد شباب “المستقبل” أولئك هتافا حزبيا سرعان ما صرخ المنظمون به مستنكرين محاولة استغلال طرف سياسي للاعتصام وعدم احترام دعوة الاعتصام التي طلبت عدم رفع أي علم أو شعار حزبي وأن الاعتصام هو “خارج الاصطفافات الطائفية”، فسرعان ما صمت شباب “تيار المستقبل” القليلون، ومن ثم غادروا إلى ناحية شباب “البعث” الذين يققفون خلف القوى الأمنية في مشهد ظهر فيه على الجهتين عشرين شابا معزولين، بعيدا عن الاعتصام ونافرا عن مناخه المتنوع والمدني إذ بدا مشهدا اعتياديا من أجواء الاصطفافات السياسية التقليدية في لبنان، على هامش اعتصام شكل خطوة كبيرة في اتجاه تجاوزها. وعلق أحد المنظمين “دائما علينا في الاعتصامات ليس فقط الانتباه إلى الشبيحة بل إلى تشبيح جميع بقية شباب الزعماء أيضا”.

وبدا لافتا حجم المشاركة وتنوعها في الاعتصام الذي بدا فريدا في لبنان، فشارك في الاعتصام من الوجوه الثقافية والفنية: فواز طرابلسي وجاد تابت وعباس بيضون ومرسيل خليفة والياس خوري وسماح ادريس وحسام عيتاني وروجيه عساف وصقر أبو فخر وحازم صاغية وكريم مروّة واميل منعم وحسن داوود وشوقي بزيع وحنان الحاج علي ونجوى بركات ويوسف بزي (جميعهم من الموقعين على البيان) وعرف ممن تغيبوا بداعي السفر هدى بركات وبيير ابي صعب وزياد ماجد وماهر ابي سمرا. وحضر أيضا كتاب وفنانون وناشطون عرف منهم مثل نزار صاغية وساري حنفي وغسان عيسى وأحمد قعبور وخالد صاغية وعمر حرقوص ومي شدياق ومحمد دكروب وروز ماري صايغ. وكان لافتا حجم المشاركة الشبابية الأكبر من أجواء يسارية مستقلة وناشطات في حقوق المرأة ولشباب شاركوا سابقا في تظاهرات “إسقاط النظام الطائفي ورموزه” في لبنان، وممن نفذوا عددا من الاعتصامات السابقة في منطقة الحمرا دعما لحرية سورية.

وكانت لافتات الاعتصام الثلاث الكبيرة من القماش: “تحية إلى الشعب السوري في ثورته السلمية”، و”صوتكم سيوقف المجزرة: الشهداء” كتب أسفلها أسماء شهداء، و”صوتكم سيحررهم: المعتقلون والمخطوفون” كتب أسفلها أسماء معتقلين ومخطوفين سوريين مثل طل الملوحي والطفل أحمد أبازيد وفراس الحاج صالح وأربعة أخوة من بيت محمد علي وجورج صبرة ورودي وغيرهم كثيرون ومعتقل فلسطيني واربعة معتقلين لبنانيين سابقين للثورة.

أما اللافتات الفردية الكرتونية الصغيرة التي أحضرها شباب متنوعون إلى جانب ملصق الاعتصام فكانت: “ما أحلاها الحرية في سورية”، “لا للصمت في لبنان”، “تحية للثورات العربية في سورية واليمن والبحرين وليبيا ومصر وتونس والأردن”، “كل ساعة يسقط شهيد”، “كل ربع ساعة يخطف شخص”، “اذا كانت الثورة السورية مؤامرة…فأنا مع المؤامرة”، “رسالة من حماة: صمتكم قتلنا…خلص مشي الحال..يعطيكم العافية”، “يا للعار لبنان في مجلس الأمن يشارك في قتل الأبرياء”.

وبدا لافتا مدى التفاعل في الاعتصام، فوزع بعض الشباب ملصقات صغيرة في الاعتصام على المشاركين ليلصقوها في أماكن مختلفة في بيروت وهي: “1000، 2000، 3000 مخطوف سوري”، “درعا مهد الانتفاضة”، “حماة: التاريخ لا يعيد نفسه. اسقاط النظام إصغاء لصوت التاريخ”، “عندما يظهر رجل الأمن يختفي الأمن في المدن والقرى السورية”، وبدأ المعتصمون لصقها على نصب الشهداء. كما وزعت عريضة للتوقيع بين المشاركين تدين الاعتداء على المعتصمين السلميين في أمام السفارة السورية في الحمرا الثلاثاء الماضي، وتدعو إلى ملاحقة قضائية جدية ومستقلة. ووزعت دعوة إلى مسيرة شبابية في الأسبوع المقبل “دعما للثورة السورية وصونا للحريات في لبنان”. كما فتحت قطعة قماش بيضاء ليكتب عليها المشاركون بخط يدهم رسائل إلى الشعب السوري. وبدأت في صفحة الفيسبوك يظهر تأثير الاعتصام الحاشد في تعليقات من سورية.

وارتفعت الأعلام السورية واللبنانية على نصب الشهداء، كما دوّى هتاف الشهيد ابراهيم قاشوش، مغني الثورة السورية، عبر أفواه شباب معتصمين في ساحة الشهداء على إيقاع أغنية “تبلى إنت وهالخطاب… ياللا ارحل يا بشار”. وهتف المتظاهرون “الحرية لسورية” و”الشعب يريد إسقاط النظام” وغيرها من الهتافات الشبيهة في كثير منها لهتافات الثورة السورية.

وخط معتصمون من الشمع كلمة “حماة” كبيرة.

فوسط هذه الأجواء كان الأكثر غرابة هو أن تفتح وسائل إعلامية لبنانية مكانا لأخبار شبيحة في غطاء صحافي، وهو ما يحيل إلى التساؤل لماذا تفتح صحيفة “النهار” صفحاتها لمثل هؤلاء الأشخاص، وما هي المسؤولية التي تتحملها عبر محاولات ترهيب معتصمين سلميين يعبرون عن آرائهم من خلال صحافي يكتب لديها ويبث مثل هذه الأخبار فيها وفي صفحة الفيسبوك وفي مواقع الكترونية.

منذ إطلاق صفحة الفيسبوك الخاصة بالاعتصام، بدأ شخص اسمه عباس صباغ، يعمل في جريدة “النهار” ويزود مواقع الكترونية بالأخبار، الكتابة في صفحة الفيسبوك. أول خبر بثه صباغ في صفحة الفيسبوك كان يوم السبت، قبل يومين من الاعتصام، إذ وضع خبر انسحاب الشاعر شوقي بزيع من البيان والاعتصام، وذلك نقلا عن موقع “ليبانون فايلز”، الذي يبدو أنه صاغه أو زوّد موقع “ليبانون فايلز” به. فكتب حينها موقع “ليبانون فايلز” خبرا عن انسحاب الشاعر شوقي بزيع و”عدد كبير” من موقعي البيان الذي دعا إلى الاعتصام الداعم لحرية سورية، إضافة إلى خبر عن اعتصام “سياسيين ومثقفين وصحافيين” داعم “لسوريا والمقاومة” وأنهم لن يخلو الساحة “للفتنة”. وكانت مدونة “جدران بيروت” قد كذّبت الأحد الماضي نبأ انسحاب شوقي بزيع، وواصفة الخبر أنه مصاغ بطريقة استخباراتية اعتاد عليها القارئ، وذلك عبر مقابلة المدونة أحد الداعين إلى الاعتصام وتأكيده أن هذه الأخبار مفبركة، الأمر الذي تبينت صحته عبر مشاركة الشاعر شوفي بزيع في الاعتصام وإصراره على عدم سحب اسمه من البيان وإن كان يملك ما يضيفه على البيان.

ثم انتقل صباغ إلى الكتابة في جريدة “النهار” يوم الأحد عبر خبر عن “اعتصامين” متضادين في المكان والزمان ذاته، وذلك نقلا عن صفحة فيسبوك لم يسمها، ولم يذكر مصدر خبره، علما أنه لم تظهر أي صفحة “فيسبوك” أو أي موقع الكتروني يدعو إلى اعتصام مضاد وموقع باسم صحافي أو مثقف يدعون إلى ذلك، مما زاد الشك في الاشتباه في صباغ أنه يستعمل منابر إعلامية وصفحة الفيسبوك الخاصة بالاعتصام الداعم لحرية سورية ليفبرك أخبارا ويشيع الخوف في المعتصمين ويشجع صحافيين على تنفيذ اعتصام شبيحة. ولدى توجه مشاركين في صفحة الفيسبوك بأسئلة لصباغ عن مصدره، لم يقل سوى أنه لن أضع مصدرا لكل خبر. وثم أكدت جريدة “السفير” في تغطيتها للاعتصام وجود شائعات عن اعتصام مضاد “علما انه لم توجه أي دعوة واضحة لـ‘الاعتصام المضاد’”. وأكدت “السفير” التزام المشاركين بعدم رفع أي علم أو لافتة حزبية.

بعد تكذيب مدونة “جدران بيروت” مجددا يوم الاثنين للأخبار التي يشيعها صباغ، وازدياد عدد الموقعين على صفحة الفيسبوك معلنين نيتهم المشاركة في الاعتصام، تابع صباغ بث الأخبار على صفحة الفيسبوك يوم تنفيذ الاعتصام أمس قائلا في صباح يوم الاعتصام نفسه، قبل التجمع، في صفحة الفيسبوك الخاصة بالاعتصام نقلا عن “موقع الكتروني” كما كتب ان الاعتصام المضاد مستمر، ثم عاد في ظهر اليوم ذاته ليتحدث عن احتمال تأجيل الاعتصام المضاد! لكن التعليقات المختلفة كذّبت صباغ وعزلته في صفحة الفيسبوك الخاصة بالاعتصام.

حماس لافت لصبّاغ في إشاعة هذا الخبر لمدة ثلاثة أيام متتالية من دون مهنية صحافية. من يتحمل مسؤولية أخبار هذا “الصحافي” الذي يشجع على التشبيح؟ لكن بدا واضحا ان التشبيح لا يجدي مع الاعتصام الحاشد المتنوع.

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Media | إعلام, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

3 ردود على ظهور نموذج الشبيح-الصحافي وسط اعتصام متنوع وحاشد: مثال من جريدة “النهار”

  1. يقول Ali:

    العدد كان يمكن ان يكون أضعاف لولا هذا الموتور

  2. يقول shvm:

    من العار ان يكون مثقفون لبنانيون اسرى شخص واحد ولكن نعتقد ان هذا الصحافي اشطر منكم والمستغرب سكوت الاخرين عنه ما يعني انه كان على حق والمستغرب التخاطب بين زملاء بهذه الطريقة المشينة خصوصا ان الكاتب لم يقدم اي دليل على ما اسلفه وعن الاعتصام الثاني فمجرد حضور اشخاص من البعث يؤكد صحة الاخبار ولماذا لم تهاجموا موقع ليباناون فايلز؟افلاس ربما

  3. يقول ر:

    الصحافي الشبيح، بيشبح بكل الطرق الممكنة..
    في هذه الوثيقة من ويكيليكس المزيد من الوظائف التي شغرها عباس صباغ.. مخبر..
    http://wikileaks.org/cable/2005/04/05BEIRUT1123.html

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s