الربيع إلى إفريقيا: “كفاية” في السنغال أيضاً… حلم الثورة

كم أن افريقيا تحتاج إلى الثورة. ها هي السنغال بدأت بالتحرك. ومن المفيد، والجميل، الالتفات إلى ارتدادت الثورات العربية حول العالم، تأثراً وتأثيراً. فهذه الثورات العربية لها سياقاتها العالمية أيضاً، وإن كان لها سياقاتها الوطنية والعربية القوية. فالثورات العربية هي أيضا ذات بعد إنساني، وإن لا يزال لبنان مشغولا بنفسه يأكلها بذاك الكم من الخوف، وبأجواء الثورة المضادة! وفي ما يلي بعض الملامح عن الحراك السنغالي عبر أجواء شبابية (أيضا حركة “كفاية”)، وتغير علاقتهم بالأماكن والزعماء، والتي تكشف أجواء شبابية جديدة في العالم.

ملصق "كبيرنا، أعطنا المزيد" جزء من حملة "واد" الإنتخابية لولايته الثانية. دكار، تاريخ التقاط الصورة آب 2007

ملصق "كبيرنا، أعطنا المزيد" جزء من حملة "واد" الإنتخابية لولايته الثانية. دكار، تاريخ التقاط الصورة آب 2007

خلال وجودي الشهر الفائت في دكار فترة اندلاع الاحتجاجات المطالبة بتراجع الرئيس “واد” عن مشروعه لتغيير القانون الانتخابي، وبالرغم من مناقشاتي المكثفة مع عدد من الأشخاص عن رأيهم بالرئيس “واد” وبحال البلاد، كان من الصعب ان أفهم فعلياً التعقيدات السياسية في السنغال، خصوصاً أنني كنت زائرة لبنانية أحتك عموماً بلبنانيين بعيدين كل البعد عن الواقع السياسي المرتبط بالناشطين.

ولكن من خلال ملاحقتي للصحف وللتحركات الاحتجاجية يوم “خميس الغضب” (23 حزيران)، استطعت ان أرى ميول واتجاهات المظاهرات، وأوجه شبهها بالثورات العربية.

أولاً، انطلق السنغاليون والسنغاليات في تحركهم من قضية محددة، وهي التجمع من أجل الإعتراض على مشروع الرئيس عبد الله واد لتغيير قانون الانتخاب ليضمن نجاحه بولاية ثالثة في الانتخابات المقبلة المقررة ان تجري في شهر شباط 2012. فيتضمن مشروع واد تخفيض نسبة الاصوات المطلوبة للفوز في الجولة الاولى من 50 ٪ إلى 25 ٪ ، وخلق مركز “نائب الرئيس” ، ليتم انتخابه. كان المعارضون على ثقة من أن واد سوف يستخدم هذا النظام لضمان اعادة انتخابه في مواجهة معارضة منقسمة، ولجعل ابنه نائباً للرئيس. ومن خلال هذه القضية المحددة، تم بلورة مطالب ذات سقف عال تعبّر عن غضب على مرحلة بأكملها من حكم الرئيس “واد” تمثلت بزيادة الفساد، وإفقار مضاعف للشعب، وانقطاع متواصل غير مسبوق للكهرباء، وتوجيه التنمية لمصلحة طبقة حاكمة مصغرة تستغل السلطة، وأخيراً مشروع قانون يهدد إرثهم الديموقراطي.

ثانياً، تمثل التحرك بالنزول إلى الشارع، فأصبح المكان العام حيّزاً أساسياً للمواجهة السياسية. فقد اختار المتظاهرون والناشطون ساحات عامة للتمركز والتعبير عن مطالبهم، والبقاء فيها حتى تحقيق هذه المطالب. فشهدت ساحة الاستقلال في وسط العاصمة دكار مظاهرة يوم الأربعاء تهييئاً لما سموه “خميس الغضب”. وانتشرت أعمال الشغب والعصيان (بالمعنىى الإيجابي) في جميع شوارع وساحات السنغال يوم الخميس، وكانت وجهة المتظاهرين ومكان اعتصامهم ساحة الأوبليسك مقابل البرلمان.

واتبع المتظاهرون يوم الخميس استراتيجيات متنوعة، كالتكاثف عند الشوارع المؤدية للبرلمان بهدف منع النواب من الوصول للتصويت على المشروع الغير دستوري، وحرق مباني رمزية للسلطة بالأخص بيت المتحدث بإسم رئاسة الجمهورية فربا سنغور الذي لطالما مثل الفساد والرشوى، والانتشار في جميع انحاء العاصمة والبلاد، وخلق حالة من العصيان المدني من خلال حرق الدواليب وقطع الطرقات.

أدوات السلطة للتعامل مع التظاهرات كانت أيضاً في الحيّز العام وتمثلت بوجود مكثف لشرطة مكافحة الشغب، استخدام الغاز
المسيل للدموع
، التخويف بالرصاص الحي لتفريق المتظاهرين والحيلولة لعدم وصولهم الى البرلمان، رش المتظاهرين بأنابيب المياه المغلية، ملاحقة وإعتقال.

والتلفزيون الرسمي تصرف كأن شيئاً لم يكن، بدون أي تغطية لما يحدث في شوارع البلد.

أما الجيش، فقد ناشده المتظاهرون من خلال تصريحات في الصحف، مستخدمين المثال المصري بتحمل الجيش مسؤولياته خلال الثورة (ولا أدري إن كانوا مدركين لتناقضات  دور الجيش في الثورة المصرية!). فحمل أفراد “الحركة الشبابية من أجل الديمقراطية والاشتراكية” يافطات خلال مظاهرة يوم الأربعاء كُتب عليها “الجيش مع الشعب”، وأصدرت الحركة بياناً تقول فيه:

“إن بلدنا يمر بأزمة خطيرة، في أسوأ أزمة منذ تأسيس جمهوريتنا، ديمقراطيتنا… نظراً للوضع الذي تواجه بلدنا… لا يمكن للجيش السنغالي ان يكون غير مبالٍ تجاه الوضع الذي نحن فيه … وعندما مرت مصر في مثل هذه الأزمة، أصدر الجيش المصري بيانا يقول إنه لن يطلق النار على الناس وإن للشعب الحق في التظاهر والاحتجاج. هذا ما نتوقعه من الجيش السنغالي”.

ثالثاً، والأهم، هي الإرادة الجماعية الجديدة، بالأخص الشبابية، للتغيير بأيديهم. وهي إرادة “جديدة” لأنها المرة الأولى في تاريخ السنغال الحديث التي تشهد فيها العاصمة احتجاجات عارمة كالتي حصلت، خصوصاً ان الزعامات الروحية والدينية في السنغال كانت تلعب دوراً مركزياً في تحجيم الاحتجاجات السابقة.

أما اليوم، فتشهد السنغال خروج الشباب عن الزعماء الروحيين المرتبطين بالسلطة السياسية. ففي 15 نيسان انطلقت حملة وطنية شبابية تحت إسم “داس فانال” (التي تعني “لحماية أنفسنا”)، تهدف إلى تشجيع الشباب على التصويت دون أي تعهد بالولاء لحزب معين.

وتشمل أيضاً هذه الإرادة تحديد مطالب واضحة في تحرك يوم الخميس والتعبير عنها من خلال بلورة شعاراتهم في الحيِّز العام. فبعد تحديد مطلبهم يوم خميس الغضب، وبعد تخلي واد تحت الضغط عن مشروعه، قرر الشباب عدم إخلاء الساحات حتى إعلان واد عن عدم ترشحه لولاية ثالثة (وهو أمر غير دستوري أصلاً). فمن البدء كانت شعاراتهم ذات سقف عالي، على مثال “واد، إرحل” و”كفاية” و “سئمنا” و “لا للمس بدستوري” و “سيكون لدينا بنغازي الخاصة بنا” وغيرها….

وكان تحرك خميس الغضب وشعاراته نتاج تراكمي لحراك سياسي شبابي وطلابي ولإنتاج إبداعي كان قد انطلق مع بداية العام الحالي.

فمنذ بداية الانتفاضات المستمرة في جميع أنحاء العالم العربي، ظهرت حالات عديدة من الشباب الغاضب على المواقع الإلكترونية السنغالية. منذ أوائل مارس، ترك هذا النشاط وراءه على شبكة الإنترنت مجموعة تطلق على نفسها إسم “كفاية” (أو “سئمنا”) y’en a marre وأصبحت الآن الرمز الرئيسي للاحتجاجات.

تأسست “كفاية” في يناير 2011 ونشأت من الإحباط المتراكم من انقطاع التيار الكهربائي المستمر في السنغال. المجموعة انحدرت من ضواحي دكار، تحديداً من خلال مجموعة موسيقى الراب تُدعى “كير جي“، مع أغنيتها “كفاية سئمنا“.

ويوم 19 مارس، نظمت حركة “كفاية” احتجاج في داكار في ساحة الأوبليسك، وذلك باستخدام موقعها على شبكة الانترنت لاستدعاء الشباب. هناك، طرحت المجموعة هدفا جديدا: منح صوتا للشباب تحسبا لانتخابات 2012 الرئاسية. شعارهم الجديد كان: “بطاقتي للاقتراع ، صوتي”.

في نفس ذلك اليوم، صادرت الشرطة مكبرات الصوت للحفل الموسيقي لانطلاق الحملة، على الرغم من أنه تم منح المجموعة إذن رسمي لإقامة هذا الحدث.

يقول البعض إنهم وُضعوا تحت الكثير من الضغوط وإنهم تلقوا تهديدات من قبل السلطات. فأيضاً تم إلغاء مؤتمر صحافي لهم تحت عامل الضغط والتهديد لمالك الصالة حيث كان من المقرر إقامة المؤتمر.

 وهكذا حولت المجموعة استياءها الناتج عن انقطاع التيار الكهربائي إلى حركة تعبئة شبابية، تهاجم البطالة الجماعية، ووحشية الشرطة والفساد. ولكن قبل كل شيء، تحاول أن تجعل الناس جزءا منها.

 الشجاعة تُعدي ولا حدود لانتشار الحرية، فربما كان للثورات العربية دوراً في المساهمة بصعود الحراك السياسي الراهن في السنغال، ولكن من المؤكد ان شبابها وشاباتها عزموا، كما شباب تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسورية، على تغيير مسار بلدهم كما يتخيّلونها أنفسهم، معلنين أنهم “ليسوا مع الرئيس ولا مع المعارضة، مؤمنين بديموقراطية تحركهم وسلميته”، وان ثورتهم سوف تؤثر على كل صندوق إقتراع في السنغال. فبالنسبة لهم، “حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة قد بدأت منذ فترة طويلة، وفي هذه المرة، الشباب السنغالي لن يكون مجرد متفرج”.

غرافيتي ضد "واد"، إمضاء "تحالف شباب الضاحية المنسي". المصدر: http://bit.ly/r0xGKp

غرافيتي ضد "واد"، إمضاء "تحالف شباب الضاحية المنسي". المصدر: http://bit.ly/r0xGKp

هذا المنشور نشر في Graffiti | غرافيتي, Senegal | سنغال. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s