ماذا تعني المحكمة الدولية في لبنان في ظل الربيع العربي؟

غرافيتي "أين تنتهي حدود الزعيم الطائفي" على جدار في منطقة رملة البيضاء \ وطى المصيطبة، بيروت

غرافيتي "أين تنتهي حدود الزعيم الطائفي" على حائط في منطقة رملة البيضاء \ وطى المصيطبة، بيروت

مع صدور القرار الاتهامي للمحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، بدأ لبنان استقطابا مستجدا في المجتمع، على إيقاع الزعماء والقوى الدولية، ووبتناقض مع أجواء الثورات العربية.
يبدو لبنان نشازا في هذا السياق، وفي أكثر من اتجاه. وعلى الرغم من أن قضية المحكمة الدولية يبدو أن لها علاقة بالتخلص من أجواء القهر والتعسف والاغتيال التي تمارسها الأنظمة الديكتاتورية وحلفاؤها ووكلاؤها الأصغر، مهما كانوا، فإن آليات عمل المحكمة ومضمونها لا يمت لهذه الأجواء بصلة، وذلك لسببين رئيسيين.
أولا، رأس حربة هذه المحكمة هي القوى الدولية لا الشعب اللبناني أساسا. فالتغيير سيأتي أساسا من الخارج. ولا يقول لنا زعماء 14 آذار على ماذا يعولون داخليا؟ إنهم يعولون على السعودية وفرنسا و”الويلات المتحدة” اساسا، مثلما كانوا يفعلون سابقا، وعلى تعميق الانقسامات الطائفية لبنانيا.

وثانيا، وسط توحيد الثورات العربية للمجتمعات في كل بلد من جديد، ومحاولاتها الحثيثة في هذا المجال، تزيد المحكمة الدولية من تفتيت المجتمع اللبناني لأنها تتعامل مع العدالة بمقياسين يحددان مسارها: الزعماء والعدالة بشكل مجتزأ والتي لا تستبعد أجواء الانتقام.

 
فهذه المحكمة أنشئت على قياس زعيم أو من يمت له بصلة. مثلا، إذا كان اغتيال السياسي الشيوعي جورج حاوي، الذي اتخذ مواقف نقدية تجاه ما يدعي محور “الممانعة” بأطرافه الاقليمية وداخل لبنان، لا يمت بصلة لقضية اغتيال رفيق الحريري، فهو مطرود من عدالة المحكمة. هذه عدالة مجتزأة، لا سيما في مجتمع يشهد حروبا أهلية متتالية لم تأخذ المصالحة الفعلية ولا العدالة الفعلية مجراهما بعد حرب (حروب) أهلية طويلة.
فـ”قانون العفو” بعد الحرب الأهلية، الذي يعفو عن الجرائم بحق الناس العاديين وعن المجازر الفظيعه التي ارتكبت خلال الحرب، لا يعفو عن أي جريمة بحق زعيم! فقانون العفو أتى ليكرس فكرة الزعيم في نظام ما بعد الطائف على ما أشار باحثون، وعلى ما نرى يوميا، مثلما تأتي المحكمة الدولية الآن لتكريس دور فكرة الزعيم.
وهل يستطيع أنصار الزعيم الحالي ومحاربوه إجابة أهالي المفقودين خلال الحرب الأهلية على سؤالهم الافتراضي: لماذا العدالة لك وحدك مع أنك وقفت دائما ضد عدالة المخطوفين والمفقودين وأهاليهم؟ أليس القتل هو ما يجمعنا، فلماذا تجزئة العدالة؟ الحريري الأب اعتقد أنه يملك الجواب لأنه زعيم، وأن هذا الجواب يحصنه. لكنه تفاجأ بالجواب الفعلي الذي صرعه. الجواب الذي حاول أن يهرب منه اغتاله. لا يمكن الاستمرار وسط عقلية ميليشات الحرب. هذه دوامة قتل لا تنتهي. ولا بدّ من تأسيس آخر.

 
المؤسف، أنك تجد زعماء ومجرمي حرب سابقين يتحدثون، بعد صدور الاتهام عن المحكمة الدولية، عن العدالة بسياق تاريخي، مستشهدين بحالات اغتيال حدثت وقت الحرب الأهلية، تخص تيارات لهم. إنه استهبال العدالة نفسها، بل يبدو أقرب إلى استهبال الزعماء لأنفسهم. يريدون العدالة لهم وحدهم بينما بين أضلاعهم يختبئ مجرمو حرب سابقون! وهذه هي المشكلة. كل الزعماء في لبنان يخشون القتل، ويتوارون، خشية من شبح هذا القتل الذي لا ينتهي. لكنهم لا يريدون الإجابة عن السؤال المضني.
في هذا السياق، لا تبدو المحكمة الدولية إلا هروبا مستمرا من أسئلة تلح في بلد أدماه شبح الموت. وهي فرصة جديدة لتجييش المجتمع اللبناني طائفيا، في ظلّ زعماء في كافة الاتجاهات تفقر شعبيتهم هنا وهناك، وتتساقط أنظمة عربية ديكتاتورية حليفة لهم في مصر وسورية، فيحتاجون دائما إلى تجديد شرعيتهم الطائفية باقتتالهم الدائم. وهم يتابعون تفاهتهم المعهودة على الرغم من أجواء الربيع العربي التي تؤسس لقيم جديدة في المجتمعات العربية.
وفي هذا الأجواء أيضا، يتمكن الترهيب في لبنان، سواء من جانب النظام السوري أو “حزب الله” و فريق 8 آذار، أو الترهيب الكامن لدى فريق 14 آذار (لكن ميزان القوى ليس لمصلحة فلول هذه “الميليشيات” الان)، من متابعة قمعه واستخدام السلاح للترهيب من دون تحدّ فعلي من جانب مجتمع موحد لا طائفيا إلى درجة كبيرة، ولا يواجه تحديا من داخل الطوائف التي يهيمن عليها لأنها سوف تتجيّش تجاه هذه العدالة الانتقائية.
طبعا، لا يعني ذلك رفض العدالة، بل على العكس من ذلك، فالعدالة ضرورية. ويمكن للبعض أن يجادل بأنه لا مناص من تحقيق ما تمكن من العدالة إلى حين تحقق عدالة فعلية. ولكن هذا المنطق إن لم يكن توأما لمنطق الإصرار في المطالبة على عدالة ومصالحة فعليتين في المجتمع، في الوقت ذاته على الأقل وانطلاقا من إرادة الشعب نفسه أساسا، واستقلال قضاءه، لا من مصالح قوى إقليمية ودولية، فإنه منطق ديمومة شبح الموت. ولا بأس للبنان أن يصير عراق جديد مثلا.
ونحن نعلم أن هذا الهوس الأميركي وعطش الحكومات الغربية لـ”عدالة” المحكمة هو موجه ليطال المقاومة ضد إسرائيل نفسها. ويمكنهم أن يلائموا “العدالة” على مقياس مصالحهم، فمصالحهم هي مجرد مرادف لفظي للعدالة. فيمكن أن تنزاح “العدالة” من النظام السوري إلى “حزب الله” بجرّة قلم. وهم لا يقيمون وزنا لكل النقاشات التي تقوم بها الشعوب العربية الآن عن طبيعة المقاومة ضد إسرائيل ومدى ارتباطها بحرية الشعوب أساسا، فالقوى الغربية ضد أي نوع وأي شكل من المقاومة ضد إسرائيل من أبشع أشكالها إلى أرقى تجلياتها.

ما يبدو مجديا هو توسيع العدالة والمصالحة في آن، ومن دون خلفيات انتقامية (مثلا حالة جنوب افريقيا قيّمة في هذا الخصوص)، ومن دون خلفيات طائفية، والإصرار على ذلك مع تأسيس ثقافة وخطاب وآليات عمل شعبية جديدة، لا بدّ منها مهما كانت ضعيفة الآن. ولا يبدو أن ذلك ممكنا إلا بالإصرار على رحيل نظام مجرمي الحروب وزعمائها الذي يصرّ على رفض مواجهة شبح الموت. هذا هو شرط تجدد المجتمع واحزابه وحركاته، والإصرار على محاكمة تاريخ القتل كله، ليبدأ سلم فعلي. ولا بد من رحيل تلك الآليات التي تربط النظام اللبناني بأنظمة ديكتاتورية وقوى دولية (منذ تأسيس الكيان اللبناني)، وهو ما يحتاج إلى تأسيس فعلي لممارسة وخطابات جديدية، وإلى عمل دؤوب، لا إلى الاستظلال بالزعماء ومجاراتهم وملاطفتهم كما تفعل غالبية “المستقلين” سياسيا وإعلاميا وثقافيا.

 
إنها إشكالية لبنان لأن هؤلاء الزعماء متجذرون، بل إن حراك “إسقاط النظام الطائفي” في لبنان لم يجرؤ على مواجهة مثل هذه القضايا صراحة وبوضوح، ولم يتجرأ للحديث عن رحيل كلّ الزعماء بصراحة (بل أُسقطت لافتات تطالب برحيل الزعماء)، من أجل تأسيس مصالحة فعلية في المجتمع والتأسيس لحريات عميقة، خصوصا مع تهاوي حريات لبنان باضطراد.
فهذا الحراك اللبناني الذي يريد “إسقاط النظام” الطائفي هو نفسه نشاز في الحالة العربية المستجدة. عندما ترتبط حياة المواطن، سلمه، قوته، توظيفه، استشفاءه، زواجه، وإلى آخره، كلها ترتبط بالزعيم، وعندما يصبح البلد بأسره مزارع للزعماء، والمقاومة لزعيم، ووسط البلد لزعيم، إلى آخره، فإن النظام اللبناني لا يبدو مختلفا عن الأنظمة العربية من هذه الناحية بالذات، وإن له خصوصياته في نواحي أخرى. فالبلد مؤسس على فكرة الزعيم الحاكم، بوجود أكثر مع زعيم في لبنان، الذين يربطون حياة كل شخص بهم.
ولكن حتى “العروبيين” و”اليساريين” اللبنانيين يريدون لبنان “مميزا” عن محيطه الذي يجمعه تشابهات حقيقية مع لبنان. ففي وقت تخرج تيارات شبابية عربية جديدة، خارج أطر الأحزاب التقليدية، فإن المعارضة اللبنانية التقليدية تخطف حراك “إسقاط النظام”. وظلّت هذه المعارضة التقليدية تتسلى بالحراك اللبناني، وتجرجره من هنا إلى هناك- خائفين من إسقاط شرعيتهم هم أنفسهم جرّاء صعود أجواء لبنانية شبابية جديدة- إلى أن تأتي المحكمة الدولية أو ظرف آخر يشبهها فينضبون في بيوتهم مطمئنين إلى عودة اللعبة اللبنانية إلى سابق عهدها، وإلى سابق اصطفافاتها الطائفية، وإلى سابق حروبها الأهلية، ومن ثم يتابعون ضجرهم في تفاوض زعماء هذه المعارضة التقليدية من أجل كرسي في البرلمان أو وزير في أحسن الأحوال! معارضة تافهة حقا لا تختلف عن النظام التي تدعي “إسقاطه” لأنها لا تعرف غير أساليب الهيمنة والتفرد والجري خلف المكاسب الشخصية لزعماء هذه المعارضات.

 
هنا، يكمن التحدّي الذي تواجهه الأجواء المستقلة عن النظام في لبنان: إسقاط الشرعية عن أحزاب المعارضة التقليدية نفسها أيضا. بالطبع، لا بأس أن تشارك هذه التيارات التقليلدية في أي حراك فعلي، بل أن هذا مطلوب أن تلهث خلفه كما فعلت معارضات تقليدية في بلدان عربية أخرى، لكن المطلوب ألا يهيمنوا على الحراك اللبناني، فهو أمر بلا معنى، وعبث محض.
ظهور خطابات جديدة، وممارسات جديدة، وطرق عمل مختلفة، هي أمور ضرورية، ببساطة لأن البديل ممكن ووجد، منذ أن ظهر في تونس. وبهذا يمكن تأسيس الشعب نفسه لعدالة فعلية، ولمصالحة فعلية، ولكثير من الأمور التي من دونها ليس لبنان إلا مزبلة الزعماء أو أكثر من ذلك قليلا…

غرافيتي "ليش ما عنا قضاء مستقل؟" على حائط في منطقة الكولا، بيروت

غرافيتي "ليش ما عنا قضاء مستقل؟" على حائط في منطقة الكولا، بيروت

هذا المنشور نشر في Graffiti | غرافيتي, Lebanon | لبنان. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s