قصة غريبة ۱ | طبيب أعصاب: “لمن يهتم بالحرية في سورية، لا تتابع إعلام الممانعة في هذه الفترة”

اتصل بي طبيب أعصاب، صديق طبيب أعرفه، ليشرح لي عن حالة صادفته اليوم، وقرّر أن يخبرني عنها في الصباح الباكر لتعميم الخبر، إذ بدا قلقاً على صحة الناس في هذه الفترة. ورفض اقتراحي تحديد موعد آخر للقاء أو الكشف عن اسمه، علني أنجو بفسحة من الوقت في هذا الصباح الذي يبدو ضجراً أيضاً.

في أي حال، لا أعلم مدى مصداقية ما يقوله، لكنني، ولغرابة القصة، آثرت إرسالها للنشر.

يقول الطبيب إن شاباً (سليم، 24 عاما، سوري الجنسية) حضر إلى عيادته صباح اليوم الأربعاء. كان ينتظره خارج العيادة منذ الساعة السادسة والنصف صباحا، كما علم من بائع القهوة الجوّال، الذي أخبره أنه تفاجأ بسليم ينظف زجاج باب عيادته الأخضر تكرارا منذ وصوله. وإلى جانب الباب، كان سليم يرمي صفحات الصحف التي ينتهي من استخدامها للتنظيف بعد أن يكورها. ثم يعود ويفتحها من جديد وهي متسخة، ويقرأ فيها بصوت عال “تحيا نيويورك” ثم يضيف بشكل هستيري وهو يرفع فنجان قهوة عاليا في الهواء “كاسك يا وطن”، ويضحك بصوت عال متقطع، ثم يرمي بعض بقايا فنجان القهوة على زجاح باب عيادة الطبيب، ويعود إلى التنظيف من جديد.

واستمر يكرّر هذه الحركات ساعتين متتاليتين. ثم يضيف الطبيب ما يعتقده تفصيلا مهما: اشترى سبعة فناجين قهوة من البائع الجوّال، وأنه كان يشرب معظمها. لكن البائع الجوّال لم يعرف أكثر عن الموضوع، إذ آثر تحاشيه لغرابته، بل صار يعطيه القهوة من دون أن يسأله عن ثمنها، تفاديا له.

ثم باغتني الطبيب يقوله إنه ينصح “من يهتم بالحرية في سورية، لا تتابع إعلام الممانعة في هذه الفترة”. وعندما سألته بصوت جدّي، لا أعرف من أين جاءني، عن سبب قوله هذا، وإنه يمكن أن يكون في كلامه تحريضا على الإعلام اللبناني أو على سوريا “لا سيما وسط ما تشهده من أحداث عصيبة… وانت بتعرف يا دكتور”، عندها أراد أن ينهي المكالمة، وهو ما تمنيته لأتمكن من شرب القهوة على مهل وبلا إزعاج صباحي. لكنه فاجأني أنه عاد وتابع الحديث.

أفصح قليلا من دون إعطاء أجوبة واضحة. واكتفى بالقول إنه تفاجأ بسليم في الصباح الباكر عند باب عيادته، كان يخرج رأسه من وسط الجريدة التي يلبسها والتي اخترق رأسه غلافها، وإن أظافر يد سليم اليمنى مقتلعة وهو يلفها بقصاصات صحف، وهو في لبنان منذ أسبوع، ويبدو أنه تعرض لاعتداء أيضا في لبنان في شارع الحمرا قرب مقهى “براغ”. وشدّد الطبيب على عدم ذكر اسمه إذ بدا خائفا.

حينها، ولئلا أزعج نفسي بقصص مرعبة، قررت إنهاء المكالمة، وقلت له: “معقول يا دكتور؟! هذه قصص خيال علمي. شو هالحكي! إنت عم تضيع وقتي. عفوا”. حينها اعتذر مني وأغلق السماعة بسرعة. ابتسمت حينها، وتابعت شرب القهوة على مهل.

لكن قصته بدأت تدور في رأسي. أثارت فضولي، أو لأكون أصدق، ليس هناك ما هو مفيد لأعمله اليوم. ويمكنني أن أتسلى بهذه القصة الخرافية. أنهيت ثلاثة فناجين قهوة. ارتديت ثيابي وغادرت البيت.

اشتريت جريدة “الأخبار” وجلست في مقهى المودكا، في طابق الغواصة، وتحاشيت التلفت يمينا ويسارا لئلا تصادف عيني أشخاصا أعرفهم. شعرت نفسي أقوم بعمل مهم وأنا أتصفح الجريدة على غير عادة قراءتي للصحف، إذ عادة ما أقرأ عنوان خبر ثم تخرج شتيمة، أو أقلب الجريدة فجأة ظهرا على بطن، رأسا على عقب، أولى على أخيرة. في آخر جولة مصارعة مع الصحف ، وكان أمامي خصم عنيد من وزن الذبابة، وكنت لوحدي في البيت، رميت خصمي بقوة إلى الأعلى بعيدا، ثم تأملته كيف ينفصل عن بعضه البعض ويهوي على الأرض بلا حركة. شعرت بالنصر، وعادة ما ألم خصمي بعد ما أكون تأملته متناثرا مبعثرا على الأرض، ذهابا إلى المطبخ إيابا إلى الحمام.

المهم بشأن قصة سليم. بدأت تصفح الجريدة متمهلا هذه المرّة ومن دون أي انفعال، بل أقلب الصفحات بهدوء وترتيب. بدا كل شيء عاديا فيها. الغلاف عن النفط العربي، ومانشيت عن الحكومة في سياق زعماء 14 و 8 آذار، ثم أخبار صغيرة في اليسار ولكن هناك خبرين عن سورية: واحد عن دريد لحام الذي يعتقد أن كل شيء مؤامرة في سورية، والثاني استشهاد جريدة “الأخبار” بجريدة “نيويورك تايمز” الأميركية، بل أنها فوق ذلك فردت لها حيّزا كبيرا داخل “الأخبار” وهي تتحدث عن تزايد الطائفية والكراهية في سورية. تشجعت أكثر لمتابعة الدخول إلى صفحات الجريدة بعدما بدأت الخيوط تتكشف… فباغتتني مساحة لإبراهيم الأمين استخدم فيها فلسطين لدى قوله أنها شرط معارضة النظام السوري في لبنان، إلا إن ذلك لم يفدني في معرفة أي شيء جديد عن سليم. تركت إبراهيم يتحدث عن فلسطين والمؤامرة والمقاومة وتابعت السير فوجدت مساحة باردة عن تغطية إخبارية متعدّدة المصادر بعنوان “دمشق تُعلن “تطهير” جسر الشغور: منع مسؤولين سوريين من السفر… وملاحقة فلول “العصابات””. تعجبت من البرودة وكثرة علامات الاقتباس (“”)، وعجبني أن هناك برودة في جريدة “الأخبار”، فتظللت عمودا في هذه المساحة لا سيما أن الجو بدأ يميل إلى حرارة رطبة.

حاولت أن أبحث في الصحيفة عن أي قصة لسليم أو أي قصة شبيهة أو أي شخص اقتلعت أظافره أو أي شيء آخر علّني أفهم أكثر عن هذه القصة الغريبة، لكن لم يكن هناك شيئا غير عادي في صفحات الجريدة صباح اليوم الأربعاء. ضرب شخص يده على ظهري بشدة ما، وشعرت أني لا أريد أن أدير ظهري للسلام على شخص أعرفه. وهو ما كان. فخرج صوته مستهجنا، حينها كان لا بدّ أن أدير وجهي وأرفع نبرة صوتي في إلقاء السلام، فهو  صحافي عارف بخفايا الأمور، ويقول في المقاهي أكثر مما يقول في الصحف. سألته إن كان قرأ أخبار غريبة عن  أشخاص في سورية، فباغتني بالقول أنه ربما أجد شيئا في أعداد سابقة في مقالات الرأي آخر صفحة “لأنه فيها أمور غريبة هذه الأيام”.

ثم قمت من قهوة المودكا، وغادرت إلى مقهى “براغ”. بعد فنجان موخا، سألت فرح التي تعمل هناك، مع ابتسامة غير مبالية، ما إذا زارهم أي شخص سوري غريب الأطوار. ضحكت فرح، وقالت لي “انت كمان عرفت بالقصة؟!”. استيقظت كل مساماتي وآمالي، وأجبتها سريعا “بتعرفي الحمرا… قرية كونية”. وكرّت القصة لي. قالت إن هناك شاب “شكله مثل العمال السوريين” مرّ عليهم قبل ثلاثة أيام، فلجأ أحد العاملين في المقهى لإخراجه بسرعة، لكنه أصرّ على أنه يريد مقابلة كافكا “شخصيا”، وضحكت فرح بصوت عال. وتابعت، كان يحمل صحيفة في يده ويقول إنه قرأ في الصحيفة أن كافكا موجود هنا. وعرفوا أنه “مجنون”، فبدؤوا يشاكسونه، وقالوا له أن كافكا يهودي وأنهم يكرهون اليهود. وبدا غاضبا وهو يسألهم: أليست هذه قهوة براغ؟! فأجابوه: نعم، براغ هي عاصمة قبرص. فغضب أكثر وصار يصرخ بـ”أشياء غير مفهومة عن سورية” وكلمات عن “القصر” و”موسوليني”.

ضحكت مع فرح بأعلى صوتي. جلست أكتب القصة في “براغ”. وبعدما انهيتها، قرأتها من جديد. وبدت لي مناسبة للنشر في أحد كتيبات مغامرات “الفرسان 13”.

ثم سألت فرح وأنا أدفع الحساب، ماذا حصل إثر ذلك. قالت، بهدوء، ثم جاء رجال من خارج المقهى وأخذوه “لشي مطرح هون وانتهت القصة”.

مِتعب…

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Media | إعلام, Stories ا قصص, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على قصة غريبة ۱ | طبيب أعصاب: “لمن يهتم بالحرية في سورية، لا تتابع إعلام الممانعة في هذه الفترة”

  1. يقول متعب...:

    لكن القصة لم تنته… في اليوم التالي، قرأت في صحيفة أن هناك سوري معارض كان يهتف في بيروت “بأعلى صوته تحيا نيويورك”. وكان هذا مدخلا لمقالة أن الانتفاضة السورية تستجدي تدخل أميركا…
    (لا بدّ من الإشارة إلى أن الاسماء الواردة، عدا اسماء الصحف والصحافيين، هي متخيلة في هذه “القصة الغريبة”)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s