غزوة الداخلية: جرافيتي خالد سعيد فوق نسر أمن الدولة *

مصر- فؤاد جهاد
منذ عام قتل شاب اسكندراني في مقتبل العمر. خالد سعيد انضم الى قافلة من شهداء التعذيب الذين تكتظ بهم ذاكرة مصر. ضحايا التعذيب والقمع والتنكيل الذي مارسه نظام مبارك البائد من خلال كلاب أطلقهم في الشوارع وزنازين اغلقها على شرفاء الأمة ومناضليها وشبابها العاطل ورجالها ونسائها ممن تقطعت بهم السبل والدولة ومن تخلق بخلقها يجنون ثمار النمو والرخاء الناجمين عن عجلة انتاج لطالما دارت على رقاب المصريين.

تضافرت العوامل لتصنع من خالد سعيد (اللي ما كانش له في السياسية ولا في حاجة) رمزا لنضال المصريين بشكل لم يسبق له مثيل. فعلى عكس سائق المكروباص عماد الكبير الذي تم هتك عرضه والذي خاض معركة قضائية تعرض اثنائها للتهديد والتضييق في الرزق وعلى عكس آلاف غيرهما ممن ظهرت لهم صور وفيديوهات تعذيب وثقها مدونون وصحفيون – على عكس كل هؤلاء، كان خالد سعيد القشة التي قصمت ظهر البعير. فخرج الآلاف في وقفات حداد احتجاجي جماهيري على «كورنيش البحر» في مدن مصر وقراها من اقصاها الى ادناها متشحين السواد والصمت حاملين المصاحف والأناجيل وروح الأمل والمقاومة. ولربما دون علم منهم آنذاك – كان المصريون يودّعون مصرا كان قد احتلها الأمن ومليشيات البلطجة والفقر المفروض والمحسوبية والفساد وقلة الحيلة كما كانوا يتطلعون الى رحابة الأفق في نيل مصر الخالد وبحرها الأبيض.

وبعد اقل من عام وفي ذكرى «عيد الشرطة» قام الشعب وقال كلمته في وجه الدولة ومليشياتها المليونية «الأمن المركزي» ومخابراتها وبوليسها السري «أمن الدولة» بل ومليشيات البلطجية التابعين لأزلام الحزب الحاكم ومن تنكروا في صورة نواب الأمة واحتلوا مجلس الشعب. تماما كما البوعزيزي التونسي خرج المصريون منتفضين لكرامتهم المهدرة امنيا واقتصاديا وسياسيا داخل الوطن وخارجه.
واسقط الشعب أساطير «الأمن المركزي الذي لا يقهر» في قلب القاهرة والأسكندرية والسويس والمحلة فتلى ذلك اسقاط «أمن الدولة» واقتحام مقارها في المحافظات من اقصى الوطن الى ادناه الى ان تم اقتحام «عاصمة جهنم» ذاتها. ولعل الدرس الأهم لهذه الإنتفاضة التي اسقطت اكذوبة «الأمن المركزي الذي لا يقهر» وانهت قمع مبارك الآب والإبن شبيه بدرس علمنا اياه شباب المخيمات الفلسطينية وابناء الجولان المحتل في ذكرى النكبة والتي باتت عرسا للشهداء ومجدا للشعوب. فتماما كما اسقط المصريون طاغوتهم في 18 يوما من الاصرار والنضال والتكاتف في المقاومة اجتاح ابناء فلسطين والجولان ارضهم المحتلة ومارسوا حق العودة الممنوع عنهم منذ عقود والتحموا من ذويهم من أهالي مجدل الشمس المحتلة. فكلا النضالين اكدا ذات الحقيقة – نحن من يخنع للأساطير ونرضخ للقمع ونحن من بيده ملكوت الأرض فان اردنا الحياة استجاب القدر. فلا الملايين من عساكر مبارك ولا الغام اسرائيل تمكنت من قهرنا حين قررنا الأخذ بزمام المبادرة والانتفاض. والعبرة لمن اعتبر.
وبالعودة الى القاهرة واسقاط شعبها الأسطورة تلو الأخرى. أما بالأمس، ففي الذكرى الأولى لمقتل الشهيد خالد سعيد على يد رجال «أمن الدولة» – ان صح تسميتهم بالرجال – فقد اجتمع المئات من المصريين لاسقاط اسطورة كانوا قد منعوا من الاقتراب منها او المرور امامها حتى بعد تنحي فرعون مصر: مبنى وزارة الداخلية. فرغم انهيار النظام السياسي وتفكيك جهاز «أمن الدولة» وانسحاب الشرطة واختفاء «الأمن المركزي» الا ان هذا المبنى ظل «خطا احمرا» عصيا منع الثوار من الاقتراب منه من قبل الشرطة أولا ثم القناصة المتمترسين فوق الأسطح ثم الجيش. فبالأمس بات «جرافيتي» الشهيد خالد سعيد يزين جدران أمن الدولة ويعلو فوق نسرهم. عاش رمز مظلمة الشعب ونضاله حتى اعتلى جدران وزارة التعذيب وارتفع فوق رمز القمع والبطش نفسه.
بهذه “الغزوة” الرمزية اعلن انتصار الشعب والضحية على الديكتاتور وجلاديه. ولكن الى متى سيبقى«جرافيتي» خالد سعيد على جدران وزارة الداخلية؟ هل ستتطوّع فرق «فرض النظام» «وتنظيف القاهرة» ودعاة «الإستقرار» «والعمل» هل سيتطوّع هؤلاء أو من يشاركهم المعتقد في المجلس الأعلى للقوات المسلحة لـ«تنظيف» جدران وزارة الداخلية من هذا «التلوث البصري» «والفوضى غير الحضارية» كما فعلوا بصورة الشهيد «اسلام رأفت» التي اختفت من ميدان باب اللوق-الفلكي اواخر ابريل/نيسان.
رمزية “الغزوة” اذن هو في انها اعادت التأكيد على صرامة الشعب واستمرار الثورة والنضال كما انها ايماءة لرفض الشعب – او الثوار منه على الأقل – «العودة» الى «الإستقرار» الذي زُعم انه ساد مصر قبل الثورة. فهل يفرض حماة «الانتقال السلمي للديمقراطية» في مصر اجندة «تنظيف» الشوارع والجدران على الثوار ام سيفرض الثوار اجندتهم – نعم «اجندة!» – «لتنظيف» مؤسسات الدولة من «أغوات» الاقطاع المباركي البائد ووزارة الداخلية من «بكوات» التعذيب؟
* لفظ “غزوة الداخلية” له مغزى مهم وهو انه يأتي ممثلا النقيض الثوري لكل من “غزوات” أمن الدولة والأمن المركزي اضافة الى كونه النقيض العلماني والحقوقي والنضالي لما اسماه السلفيون “غزوة الصناديق” يوم الاستفتاء العام على التعديلات الدستورية الكوميدية [لكاتب]

فوق النسر تماما

ساره كار (المصورة)

هذا المنشور نشر في Egypt | مصر, Graffiti | غرافيتي. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s