خلسة حرية في أمسية أفلام تضامنية مع حرية سورية

تساءلت المخرجة السورية هالة عبد الله في رسالتها المصورة للجمهور البيروتي في مسرح “دوار شمس” في أثناء أمسية الأفلام التضامنية في بيروت يوم الثلاثاء ۷ حزيران: هل كان من الأفضل أن تتفرجوا على ما يحصل عبر السينما كي تتفاعلوا وتُحرّضوا؟ لماذا تفضلون السينما التي تحكي عن الواقع، وليس الواقع وحقيقته التي تعرضها الشوارع والبلدات؟ اليوم، ما هو الأصدق والأكثر حرارة؟

ظهرت الأفلام كمشهد متقطع من سلسلة أعمال تضامنية في بيروت، وآخرها دعوة جديدة للاعتصام غدا السبت ۱۰ حزيران في بيروت في الحمرا (مقابل وزارة السياحة، الساعة السابعة والنصف مساء).

وفي أي حال، بدا منظمو الدعوة حريصين على ألاّ تنفصل أمسيتهم عن “سلسلة تحركات داعمة لثورة الحرية للشعب السوري” كما جاء في دعوة الفيسبوك. وسميت الأمسية “كان يا مكان… أفلام من سوريا”. وعرض فيلمين “صدرا في ذلك الزمان، قبل بدء الانتفاضة في سورية. الفيلمان رؤيتان للمخرجين عمر أميرالاي وأسامة محمد عن حال مجتمعهما. اختيارنا للأفلام يتماشى مع انحيازنا إلى المطالبين بحريتهم في سورية وكل العالم العربي. وعُرض أيضا فيلم “النهاية” أحد الأفلام التي ينتجها شباب في سورية ضمن الحراك الجديد، وذلك رغبة منا أن ننصت إلى أصوات شباب معنيين بالحرية وأن نتفاعل معه”، تختتم دعوة الفيسبوك.

فلا تبدو الأمسية أكثر من اختلاس مشهد سريع للحرية.

لكن سرعان ما تأسرنا شخصيات سورية حبّا وأسى وتوقا جارحا للحرية. أو مثلما قال المتنبي فحشانا في أحشائهم:

لا تعذل المشتاق في أشواقه     حتي يكون حشاك في أحشائه
إن القتيل مُضرّج بدموعـه      مثل القتيل مُضرّج بدمـــائه

تقرأ كل اسم شهيد في فيلم “النهاية” لأبو نضّارة، بعد انسدال الستارة عن قبر حافظ الأسد. تقرأ كل اسم بسرعة وأنت تشعر أنك تريد أن تقف وتتملاه وأن ترى وجهه وتتعرف عليه. لكنه يغادرك بسرعة ليتلوه اسم الشهيد التالي، وكأنه على ايقاع سرعة القتل خارج الفيلم.

أطفال الحرية

من ثم يأتي أطفال فيلم عمر أميرالاي “الطوفان في بلاد البعث”، وهو الفيلم الذي يستعيد فيه أميرالاي بدء “التحديث” في قرية الماشي مع مجيء حافظ الأسد وبناء سدّ لتتشكل بحيرة الأسد حيث “يمتد بلد اسمه سورية الأسد”. الأطفال في “نموذج” قرية الماشي، حيث زعيم العشيرة نائب في البرلمان وابن أخيه مدير المدرسة، يحاول النظام أن يشكّل حتى أحلامهم فضلا عن طريقة حديثهم ورفعهم أياديهم في الصف وعبسات وجوههم وتكتفهم على مقاعدهم في المدرسة. نلمح حيويتهم خلسة. فالطالب الذي يرتدي البزة العسكرية، ويقوم بحركات عسكرية أمام مدير المدرسة البعثي، يضحك للكاميرا خلسة وهو يدير وجهه عن المدير قبل أن يلتف من جديد ويضرب السلام العسكري. وهي الخلسة التي قرر أطفال درعا وسورية أن يعلنوها بوضوح في أثناء الثورة السورية، فكانت المجزرة وكان مخاض ولادة الحريّة.

خلسة

نضحك خلسة، ونبكي خلسة، ونفرح خلسة، خلال العرض الذي أقيم بما يشبه الخلسة. تشعر وأنت تصفق، بين فيلم وكلمة، أنك تريد أن تفعل ذلك خلسة، وإذا ما أردت أن تضحك فتشعر أن الضحك علانية فيه أمر مريب، فيه خطيئة، وأن حريتك في ألا تختلس هي رهن حرية سورية في أن لا تكون الحرية فيها خلسة. أو كما قالت كلمة أسامة محمد (التي قرأها أحمد بيضون):

“قرأت مرّات في بيروت.. وفي المرّأت كنت تراجيكوميديا …

في الأولى (من الحب ما قتل).. فلسطين في الأفلام السورية.

في الثانية (كفاحي) عن مساهمتي في الفساد وتجربتي في استعارة السلطة لإخافة السلطة.. لتحقيق نجوم النهار.

في الثالثة (عمر أميرالاي).. السخرية من الذات متعة الحياة

وفي جميعها ضحكنا مني.

اليوم… لا حجر للضحك. لا مكان للضحك في ظل الديكتاتوريات.. ولا للسخرية من الذات.

ففي المعركة المقدسة نتحد ونتوافق ولا نسخر من أنفسنا… نضحي بالسخرية فنخسر الحرية (…)”

جمعة الحرائر

تتوالى الشخصيات التي يريد النظام سحقها، وتأسرنا بدورها: سناء و”كاسر” في فيلم أسامة محمد “نجوم النهار”. كاسر الذي ضربه أبوه في صغره، فأصابته إعاقة، يتحول إلى الأخ المعوّق الذي يصبح مكسر عصا إخوته وأقاربه، بل ويورطونه في قمع أختهم سناء التي تبحث بدورها عن حبّ تختاره. فيهرب كاسر إلى الشام ليختفي، في آخر مشهد في الفيلم، في ضباب مبيدات “دي دي تي” ترشها سيارة، بعدما كان يبحث عن المغني الذي يرمز إلى الدكتاتور، والذي تملؤ صوره المدينة.

عيون مشاهد الفيلم وقت الثورة السورية تتذكر، وهي ترى مبيدات “دي دي تي” التي يختفي فيها كاسر في نهاية الفيلم، خطاب الإعلام الرسمي السوري عن المتظاهرين الذي يصفهم بأنهم “حثالة” و”صراصير” يجب التخلص منهم. هذا الخطاب الرسمي علّق عليه الكاتب السوري برهان غليون أنه جزء من فاشية النظام السوري. وهي فاشية نراها في صور يومية عن سحق متظاهر تحت دبابة، أو تباهي رجال الأمن فوق جثث مجزرة، وقتل الأطفال والتنكيل بهم وأشهرهم حمزة الخطيب، أو تجميع المعتقلين في باحات المدارس (تقرير هيومان رايتس ووتش) والدوس على رأس كل منهم- وهي ممارسة مستمرة منذ ثلاثين عاما منذ الراحل حافظ الأسد- وسؤاله “مين رئيسك؟.. مين ربك؟”، وعلى الأسير أن يجيب: بشار الأسد! وإلا فإن مزيدا من الممارسات الفاشية بانتظاره.

كل حلم كاسر، الذي يجذبنا من دواخله في ابتساماته وضحكه وبكائه، هو أن يفتح “محل عصافير وكازوز”… “وهيك بعيش باحترام”، وكأنه يختزل شعار الكرامة السوري “الشعب السوري ما بينذل”.

أما سناء، المرأة التي تعيش قمع السلطة الذكورية عاريا ويحاصرها من كل مكان، تظل تقاوم وتهرب وتهرب، من عرسٍ ومن قمعٍ، فتغتصب في النهاية، في أثناء محاولتها الأخيرة في الهرب، وعلى يد من يفرض عليها الزواج منه. وفي العرس، تحيط بها كلمات “كلي..كلي” وهي تجلس مذهولة تتذكر، فعليها حتى أن تأكل غصبا عنها.

ثم تقول لنا  صاحبة فيلم “أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها” المخرجة هالة عبدالله، عبر صورتها الحزينة على الشاشة وهي تتوجه بالحديث إلى جمهورها البيروتي (بما معناه) إني لا أريد مقايضة منكم لتقفوا إلى جانبنا. سجنا لأننا وقفنا مع حرية لبنان عند اجتياح السلطة السورية له، ولأننا أردنا الحرية لأنفسنا، ونحن مستعدون مرّة أخرة لأن نسجن في سبيل حرية لبنان..

فالأسير يحرّرنا…

هذا ما تقترحه أيضا كلمة أسامة محمد إلى الجمهور البيروتي وإلى وئام عمّاشة، الأسير السوري في الجولان المحتل، الذي أضرب عن الطعام في سجنه الإسرائيلي حتى تسود الحريّة في بلاده.

نحو ثلاثة عشر ألف أسير سوري حتى الآن في غضون ثلاثة شهور، أي أكثر من عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية على مدى أربعين عاما، وألف وثلاثئمة شهيد، هم من يحررون سورية.. ويحرنوننا.

أو كما قال ذات مرّة في بيروت الشاعر السوري فرج بيرقدار، الذي سجن نحو 14عاما وكتب عنها كتابه خيانات اللغة والصمت: تغريبتي في سجون المخابرات السورية، إن الحرية تكون إما في فضاء مطلق من الحريّة أو في داخل السجن! إذ كان يُهرّب كتاباته آنذاك خارج جدران السجن بكل حريّة، فماذا يمكن أن يفعلوا له داخل السجن أكثر من سجنه وتعذيبه؟!

هذا المنشور نشر في Lebanon | لبنان, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s