جدران بيروت تتكلم

دقات القلب تتسارع والإحساس بضيق النفس يزيد… الربيع العربي ينبع من كل بقعة وكنا ننتظره منذ سنين بعيدة.

فالثورة في مصر فعلت فعلتها بالناس.. اطلقت سراحهم .. احراراً يرسمون ويرقصون ويغنون ويتفلسفون ويخططون. ولن يقف في طريقهم احد بعد اليوم. لا يوجد حدود لما يريده المصريين اليوم. هم  اصبحوا احرار في افكارهم وتطلعاتهم, لا يحدّها زعيم، او خوف، او سلطة، تستمع اليهم فيلهمونك، تسمع اغانيهم وموسيقاهم فتضّح الصورة. لا التباس في وقت الحرية، جدران المدينة تنطق بالارادة الجديدة.

بالنسبة للمصريين، لا مجال للالتباس في الثورة السورية. بشار ديكتاتور والشعب سيجد طريقته للتخلص منه…

الى ان تصل الى دهاليز بيروت السياسية.

كيف تفسّر الى الفرد اللبناني انه بعيد كل البعد عن الحرية.. وبأن شعبه لا يمارس الحرية ولا حتى يدركها؟ فمستوى الرقابة الذاتية القامعة مقلق والحرية التي عندنا وهم. والطوائف منغمسة بحساباتها واعتباراتها، فطائفة تدعم ثورة البحرين والاخرى لا، وطائفة تدعم ثورة سوريا والاخرى تدينها. أما الموقف الرسمي فينبه “بمنع اي مظاهرة مع او ضد النظام في سوريا”، والإعلام اللبناني أصبح بوق النظام. ومن ادبيات ثوار الارز، فقد أدلى جميّل جونيور بفتوى للبنانيين بعدم التدخل في الشؤون السورية. فرفض الاجرام بحق شعب هو تدخل في الشؤون الداخلية للبلد!

ضمن هذا الجو العام، يقف نشطاء لبنانيون الى جانب الثورة السورية و”يحاولون” الاعلان عن تضامنهم معها. وهي “محاولة” لأن عيون الأنظمة ساهرة وجاهزة في الرد على اي خطوة نحو التعبير عن حق السوريين في الحرية وان ما يطلبونه ليس اكثر او اقل مما حصل عليه المصريين. وانهم ببساطة يُقتلون لانهم احرار.

ولكن تلك العيون لا ترضى وترصد كل حركة بهذا الاتجاه. فمظاهرة لا تبرأ ان تبدأ عند السفارة السورية، وما يفتىء ان يصل اول خمس اشخاص للاحتجاج على قتل الاحرار، ومن حيث لا تدري تنبع مظاهرة اخرى يتدفق منها الشبيحة بالعشرات حاملين صور بشار، مخرسين الاصوات الخمسة بهتافات عمرها فوق الاربعين سنة. كما يوجّه امن السفارة بمواكبة الامن اللبناني تُهم العمالة للمحتجين الخمس الاصليين، ويقوم بعملية توثيق للمتهمين، فيلتقط لهم صوراً من دون خجل. ولكن هناك دائماً من لا يسمح بالهرطقة، فيُركل المصور في قفاه وتُمحى الصور.

وفي إحدى مظاهرات “إسقاط النظام الطائفي”، حملت متظاهرة يافطة كُتب عليها “تحية الى ثوار سوريا، مصر، ليبيا، اليمن، البحرين، تونس، ايران”، فتم تمزيقها.

وكان هناك محولات متنوعة باستراتيجيات مختلفة لكسر الصمت في بيروت، من إعتصام سلمي في كورنيش عين المريسة بدون سابق إعلان، تفادياً لإستعداد البلطجية، الى إضائة شموع في شارع الحمرا تضامناً مع شهداء درعا، جوبهت على بُعد أمتار بتظاهرة مضادة دعماً لبشار الأسد وأيضاً تم ترهيب المعتصمين من قبل أفراد من الحزب السوري القومي الإجتماعي وضرب اثنين منهم بعد الاعتصام.

أما مسيرة طرابلس التي انطلقت على الدراجات الهوائية تحيةً للثورات العربية، فكانت قد عُطلت بسبب وجود العلم البحريني!

ومن هذه المحاولات، حملة كتابة على جدران المدينة، بدأت عفوية، تعبر عن مشاعر أفراد نزلوا الشارع ليلاً، يحيون ثوار سوريا والبحرين، فتُمحى شعاراتهم مع بذور النهار. تحولت الحملة الى معركة. فأهمية فن الشارع انه يعبر عن الشارع. وهناك من يكتب شعارات او يرسم على جدران المدينة وهناك من يمسحها… المهم الإستمرار بالتعبير. الشارع للجميع…

المرحلة الأولى

الكتابة على الجدران في منطقة رأس بيروت والضاحية الجنوبية. في اليوم التالي، تم مسح البعض منها، تحديداً الشعارات التي كانت في منطقة رأس بيروت – عين المريسة والحمرا

لا للقمع في سوريا والبحرين، طريق المطار، ضاحية بيروت الجنوبية
مع شعب سوريا ضد قمع الأنظمة، طريق المطار، ضاحية بيروت الجنوبية
تحية لثوار سوريا والبحرين – تحية الى الشعب الثائر في سوريا، نفق الطيونة، ضاحية بيروت الجنوبية
جدار يحتوي على عدد من الشعارات وفن الشارع وبقعة بيضاء، منطقة عين المريسة، بيروت
تحية لثوار سوريا والبحرين، تم حذفها بالطلاء الأبيض، عين المريسة، بيروت
تحية للثوار في سوريا والبحرين، تم محوها بالطلاء الأبيض، الحمرا، بيروت
آثار الطلاء الأبيض، نزلة السارولا، الحمرا، بيروت

  الرد على عملية الرقابة

عملية مسح الشعارات في منطقة الحمرا كانت متقنة، فكأن جدار المدينة كان دائماً ابيضاً وبهذه النصاعة. ولكن اذا كنت تبحث عن الشعارات التي كنت قد رأيتها في الليلة الماضية، تستطيع ان تميّز خيالات الرش الأسود من بياض الدهان، تحديداً في شعار عين المريسة. اما شعار نزلة السارولا، فالدليل على وجوده يكمن في الطلاء الطازج الذي تسرب ليصل الى الرصيف.
من يملك جدران المدينة؟ ومن يقرر ان يبقي على شعارات وان يتخلّص من اخرى؟ من يملك جدران الحمرا؟ كمحاولة ثانية لطبع شعار التحية لثوار سوريا والبحرين على جدران الحمرا المراقبة، تم اللجوء الى حيلة المحاكاة عبر وسيلة اخرى، وهي وسيلة الستيكرز (لاصق). جميع جدران الحمرا تستوعب شعار التحية لو تُرك الأمر لها. فتم اختيار البعض منها لتُعلن تضامنها عبر المحاكاة من خلال الملصقات، وان كان الشعار على الجدار الفعلي غير موجود. من رأى الملصقات على العواميد وجدران شارع الحمرا في الليل، لم يجدها في النهار.

المرحلة الثانية

في المرحلة الثانية من الكتابة على الجدران وردود الفعل عليها، تحوّلت عملية المسح بإتقان وإخفاء آثار الكتابة الى شعار مضاد وعنف مرئي في بعض الأحيان. فإمّا كلمة سورية تُحذف، أو “القمع” يُحذف مع إضافة “الأسد” الى “سورية”، أو إضافة شعارات النظام. وثمة شعور بالعنف، بالتحديد على جدار منطقة الكليمنصو… فالطريقة التي طُرِش بها الحائط تُجرِد لون الأبيض من سلميته وتُحوِّله الى أحمر الدماء.

لا للقمع في سورية، كليمنصو، بيروت

آثار الدهان الأبيض، كليمنصو، بيروت

لا للقمع في سوريا، عين المريسة \\ حمرا، بيروت

لا للقمع في سوريا، الحمرا، بيروت

لا للقمع في سورية، الحمرا \ الجامعة الأمريكية، بيروت

لا للقمع في سوريا، رملة البيضاء \ المصيطبة، بيروت

هل رفض الاجرام بحق الشعب السوري «تدخلاً في الشؤون الداخلية»؟
واذا غيّرنا السؤال: هل ان رفض الاجرام بحق الفلسطينيين في لبنان – ومثال بسيط على ذلك يكمن في رفض المتاجرة بحق العودة، عبر دق ناقوس التوطين في كل مرة يأتي فيها الكلام عن حق المجتمع الفلسطيني في عيشة كريمة وحرة – هو زعزعة لاستقرار البلد؟

ام انه زعزعة لتركيبته البائسة؟ ولماذا لا نزعزع هذه التركيبة المشوهّة؟ انخسر لبنان عندها؟ ومن يريد ان يحيا في بلد مريض ومن حوله تنتشر الحرية؟

وكم هي المفارقة عجيبة عندما يستنجد لبنان بالعالم كله ليحاكم سوريا على جرائمها بحق اللبنانيين، او بحق لبناني واحد، ويحمل بنداء الغوث هذا عنصرية تسببت بمقتل عددٍ من العمال السوريين في لبنان، ولا يعتبر هذا الامر تدخلاً!

متى يزهر الربيع في هذه البقعة الصغيرة من بلاد الشام؟

هذا المنشور نشر في Bahrain | البحرين, Graffiti | غرافيتي, Lebanon | لبنان, Syria | سورية. حفظ الرابط الثابت.

7 ردود على جدران بيروت تتكلم

  1. يقول alaa:

    fi swar kizib hahahaha

  2. يقول توضيح:

    ايه، بس المقال موضح انن simulation ردا على عملية الرقابة التي تعرضت لها الشعارات الحقيقية عى الجدران

  3. تنبيه: عيون الأنظمة | جدران بيروت

  4. تنبيه: جدران بيروت تتكلم مرة أخرى | جدران بيروت

  5. تنبيه: جدران دمشق تشهد | جدران بيروت

  6. يقول Rami Alhames:

    مهما طال الزمن ومهما بعدت المسافات، ثورتنا في القلب وحريتا في اليد. مدونة رائعة، أتوق لمتابعة أعمالها الرائعة

  7. تنبيه: عام على ثورة الشعب السوري: تحية من بيروت | جدران بيروت

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s